نظرًا لأني أدرس وأُدرِّس الأدب الإنجليزي، زيادةً على أن أغلب كُتبي المنشورة كانت باللغة الإنجليزيَّة (تأسيسًا على تخصصي الدقيق)، سألني أحد الظرفاء من أصدقائي قبل سنين: في عالم الأحلام والأطياف، هل تتكلم بالعربيَّة؟ أم بالإنجليزيَّة (عندما تحلم)؟ ثم أضاف: «حاول أن تتذكر!» خصوصًا وأن أغلب الناس ينسون أحلامهم بعد الاستيقاظ، فما بالك بتذكر اللُّغة التي يستعملونها في محادثاتهم بالأحلام والكوابيس. ولكن بعد أن حاولتُ جاهدًا استذكار اللُّغة التي استعملتها في أحد أحلامي الأخيرة، إذ تذكرتُ بأني كنتُ أتحدث مع المغفور له والدي. ولأنَّ والدي لم يكُن يتكلم الإنجليزيَّة «في عالم الحقيقة» تبادلت معه أطراف الحديث باللُّغة العربيَّة، أي باللُّغة التي توارثتها عنه والتي عجنت في ضميري وفي كياني منذ ولادتي حتى اللحظة. وبغَضِّ النظر عن تخصصي الدقيق بالأدب الإنجليزي، زيادة على أني أعيش الآن (ومنذ أكثر من عقدين من الزمن) في الولايات المتحدة الأميركيَّة، أجد نفسي ملتحمًا بلُغتي الأُم Mother tongue ، أي اللُّغة العربيَّة التي درستها منذ نعومة أظفاري، ووظَّفتها في مؤلَّفاتي ومقالاتي دون تثاقل ولا مَلل: فأنا أُحبُّ اللُّغة العربيَّة، ولا يمكن لأيِّ قوَّة بالكون أن تدقَّ إسفينًا بيني وبين هذه اللُّغة المرنة الجميلة القادرة على التحور والاتساع لاحتواء كل ما يمكن للإنسان أن يفكر به، حتى «فنتازياته»، إذ لا يمكن للُّغة الأجنبيَّة Foreign Language المكتسبة أن تحلَّ محلَّ اللُّغة الأُم، كما يستحيل عليها أن تضم نفسها في كیان المرء ووجوده مهما طالت الأيَّام والعقود: اللُّغة هُويَّتك، ولا يمكن للمرء أن يتخلى عن هُويَّته أو أن ينزع جلده، خصوصًا وأنها مرآة وجود بين الماضي والحاضر !
أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي