أتذكَّرُ جيدًا في بداية حياتي في قريتنا بريف مصر؛ لم تكُن النقودُ متوافرةً لأغلب الفلاحين إلَّا بالقدر الضئيل، وبالتالي كانت أغلبُ المعاملات تتم بنظام «المقايضة». فكان الحلاقُ ونجارُ السواقي وغيرُهم لا يتقاضون أجورًا نقديَّة من الفلاحين، بل يعملون بنظامٍ كان يُسمَّى «المسانيَّة»، وهو شكلٌ من أشكال المقايضة المنظمة. فنحن نحلق طوال العام، والنجارُ يُصلح السواقي ويصونها مقابل كميَّة محددة من محاصيل الأرض الزراعيَّة تدفعها لهم كلُّ أسرةٍ حسب عدد الأفراد الذين يحتاجون للحلاقة، أو مساحة الأرض الزراعيَّة التي ترويها الساقية. وكان هؤلاء «المهنيون» لا يفلحون أرضًا ولا يتكبدون مشقة الزراعة، لكنهم بنهاية كل موسم يتحصلون على القمح والذرة والفول وغيره من المحاصيل الموسميَّة، تكفيهم طوال العام، وما يزيد عن حاجتهم يبيعونه مقابل النقد. بالطبع تغيرت الأمور مع التغير الذي شهده الريف واقترابه من الحضر في كثيرٍ من الأمور، بالإضافة إلى تطور الأدوات من ميكنة زراعيَّة وغيرها، فأصبح التعامل بالنقد هو السائد تقريبًا، واقتصرت «المقايضة» على تعاملات بسيطة بين الأسر في احتياجات الحياة العاديَّة.
في فترة جيلي، القصيرة النسبيَّة بحساب السنوات، تطورت المعاملات حتى أصبح الناس في قريتي يتعاملون ببطاقات الائتمان، وبتطبيقات الدفع المالي والتحويل الإلكتروني على هواتفهم. ومع أن النقد يظل موجودًا في التعاملات، إلَّا أن الأغلبيَّة تتعامل بوسائل رقميَّة في حياتها اليوميَّة. وبالتوازي تقلصت المساحات الزراعيَّة، وتحوَّل الفلاحون من زراعة المحاصيل الحقليَّة التقليديَّة التي كانت تُمثِّل غذاءنا وغذاء حيواناتنا إلى زراعة الخضار وغيره من المحاصيل التي يوردونها لأسواق الحضر ويحصلون على مقابلٍ نقدي. وهكذا تطور استخدام أدوات التعامل المالي بسرعة وعلى نطاقٍ أوسع. صحيحٌ أن التطور المالي الرقمي يسهِّل الحياة على الجميع ويختصر الوقت والجهد، لكنَّه للأسف ارتبط بتغير جذري في الخريطة الزراعيَّة بما يهدد الأمن الغذائي للمُجتمع ككل، وليس للريف فقط، وهو ما قد يحتاج إلى تفصيل أكبر في مقال آخر. إنما لنركز على هذا الانتقال من المقايضة إلى التعامل الرقمي.
أصبحت المعرفةُ الرقميَّة مؤشرًا مهمًّا على مدى التطور والتقدم في أغلب المجالات. ومع تطوير «الذكاء الاصطناعي» يزداد الاعتماد عليه في أغلب ما كان يقوم به البشر، على الأقل ذهنيًّا حتى الآن، إلى أن يصبح الذكاء الاصطناعي مشغِّلًا للآلات على نطاقٍ واسعٍ (كالروبوتات)، ويحلُّ محلَّ العمل اليدوي والعضلي للبشر. ومع تسارع التطورات التكنولوجيَّة ودخولها في تفاصيل الحياة اليوميَّة، تتغير عادات وقيم ومفاهيم، بل وحتى مبادئ إنسانيَّة كانت مرجعيَّة لفترة طويلة من الزمن، ويتغير السلوك البشري والعلاقات الاجتماعيَّة، وربما قريبًا شكل ونُظُم الإدارة والحكم وغيرها. لكن الملاحظ أنه مع سرعة التطور واتساع الاستخدام، كأنما يعود الناس لنُظمٍ قديمة، ومنها نظام «المقايضة»، وإن كانت الآن مقايضةً رقميَّة. قبل عيد الأضحى حدثت مُشْكلة في ماكينات الصرف الآلي في مصر، فماذا فعل الناس؟ مقايضة رقميَّة! يقوم شخص لديه حساب «إنستا باي» للدفع والتحويل الرقمي على هاتفه الذكي بأخذ النقد ممَّن يريد الإيداع، ويحوِّل له المبلغ على حسابه في البنك عبر هاتفه، ومَن يريد السحب يحوِّل لذلك الشخص المبلغ لحسابه باستخدام التطبيق الرقمي، ويعطيه النقد ممَّا جمعه ممَّن يريد الإيداع. طبعًا كانت حيلةً «مؤقتةً» وإبداعًا لحظيًّا نتيجة أزمة عابرة، لكنها كانت معبِّرةً عن المقايضة الرقميَّة الأوسع نطاقًا والمتوقعة مع انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته.
ربما يكون المثال الأوضح على المقايضة الرقميَّة في عصر الذكاء الاصطناعي هو سهولة اللجوء إلى تطبيقات مثل «تشات جي بي تي» و«ديب سيك» وغيرها للقيام بمهام يقوم بها البشر. فمثلًا، مع سهولة إعداد السيرة الذاتيَّة للشخص بواسطة الذكاء الاصطناعي، واستخدام تطبيقاته في التقدم بها للوظائف الشاغرة المتاحة عبر الإنترنت، يمكن لأي شخص التقدم لمئات الوظائف بضغطة زر على هاتفه. إنما أين المقايضة هنا؟! لكل وظيفة يتقدم إليها هذا الشخص، الذي أعدَّ التطبيقُ السيرةَ الذاتيَّة له وتولَّى التقدمَ للوظيفة، تقوم إدارة الموارد البشريَّة في الجهة صاحبة الوظيفة الشاغرة باستخدام الذكاء الاصطناعي لفرز الطلبات المقدمة واختيار المرشحين المحتملين. وعبر برامج (مطورة بالذكاء الاصطناعي أيضًا) تتم التصفيات في مراحل الاختيار المتتالية حتى يتم ملء الشاغر. هل قايض الساعي للوظيفة محلَّ العمل المستهدف في الحصول على عمل؟ لا ونعم. لم يقايض الباحثُ عن وظيفة شؤونَ الأفراد في جهة العمل، إنما قام الذكاء الاصطناعي بالعمليَّة كلها من جانب الطرفين بأدنى قدرٍ ممكنٍ من تدخل البشر. فالموظف لم يقايض الموارد البشريَّة، أي إن الإجابة: لا. لكن العمليَّة التي قام بها الذكاء الاصطناعي عبر تطبيقاته المختلفة لدى الطرفين هي «مقايضة رقميَّة» تعتمد إلى حدٍّ كبير على برامج «سوفتوير» واحتمالات تستند إلى «خوارزميَّات» حاسوبيَّة (كمبيوتريَّة)؛ فالإجابة: نعم.
صحيح أن تلك المقايضة الرقميَّة تختلف تمامًا عمَّا ذكرناه في البداية من المقايضات في قريتي، لكن هذا الاختلاف ناجم في الواقع عن التغير الهائل في المفاهيم والسلوكيَّات والقواعد والقيم وكل شيء تقريبًا؛ نتيجة الابتكار التكنولوجي الهائل والسريع في العقود الأخيرة. وهو ما حول كل تعاملاتنا، من محاصيل وسلع ونقد وطلبات وظائف إلى سطور برامج حاسوبيَّة (كمبيوتريَّة).
د.أحمد مصطفى أحمد
كاتب صحفي مصري