منذ افتتاحه أبوابه للزوار في 30 يوليو 2016م، يواصل المتحف الوطني العُماني، برئاسة سعادة أمين عام المتحف وفريق العمل، جهوده الرامية إلى تعزيز جسور التواصل الثقافي مع مختلف دول العالم. ويتجلى هذا التوجه من خلال تنظيم سلسلة من المعارض الفنية والثقافية التي تستعرض جوانب من تاريخ وثقافات عدد من الدول، من بينها روسيا وإيطاليا وفرنسا وأرمينيا وبيلاروس وكازاخستان وأوزبكستان وتونس والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية والصين. من الواضح أن الهدف من تلك المعارض هو فتح نافذة معرفية وبصرية تثقيفية تُمكّن الزائر من التعرّف على جوانب من تاريخ تلك الدول وثقافاتها وفكرها، إلى جانب إضفاء أكبر قدر من الحيوية والتفاعل على تجربة الزيارة، عبر معروضات تنبض بالحياة وتترك أثرًا أعمق وأكثر قربًا في نفس الزائر.
وكان آخر هذه المعارض التي حظيتُ بحضورها بوصفي صديقة من أصدقاء متاحف عُمان معرض (من الواحد إلى المليون: قصص التصميم الإيطالي) الذي افتُتح في 23 مايو 2026م تحت رعاية صاحبة السمو السيدة ميان بنت شهاب بن طارق آل سعيد، رئيسة مجلس إدارة الجمعية العُمانية للتصميم (تصميم عُمان).
إن رعاية صاحبة السمو السيدة ميان لهذا المعرض،تأتي متسقة مع دراستها العُليا المتخصصة في التصميم الداخلي وإدارة الأعمال والابتكار من الجامعات البريطانية فضلاً عن انسجامها مع مسيرة السيدة ميان واهتماماتها العميقة في مجالات الفن والتصميم، إذ عُرفت بشغفها بالهوية البصرية والتصميم المعاصر.
من خلال متابعتي لإنتاج السيدة ميان الفني سواء فيما يتعلق بالجانب البصري أو الهوية والتصميم ، لاحظت أن البصمة الفنية لهذه الاسهامات تركز على المزج بين الأصالة العُمانية والاتجاهات المعاصرة، عبر استلهام عناصر الطبيعة العُمانية، وإبراز الرموز التراثية والحرف التقليدية والموروث الثقافي الوطني ضمن رؤى حداثية ذات أبعاد ثقافية وتنموية.
وفي تقديري الشخصي أن اهتمام السيدة ميان الفنانة التشكيلية والمصورة الفوتوغرافية ، بالتراث العُماني ما هو إلا امتداد لوعي ثقافي متجذر بأهمية الهوية الوطنية ودور التراث في تعزيزها، وهو اهتمام تتصل جذوره بوالدها صاحب السمو السيد شهاب بن طارق آل سعيد، صاحب كتاب (التراث الحرفي العُماني) الذي يُعد من أبرز المراجع التوثيقية المعتمدة لدى الباحثين والمهتمين بالصناعات والحرف التقليدية العُمانية. وقد اعتمدتُ عليه في عدد من أبحاثي ومقالاتي لما يتضمنه من مادة علمية توثيقية ثرية تُشكّل إضافة مهمة لكل مهتم بالتراث والثقافة العُمانية.
وبالانتقال إلى معرض (من الواحد الى المليون: قصص التصميم الإيطالي) نلاحظ أنه يشارك المعارض السابقة له في المتحف في العديد من الأهداف الثقافية والمعرفية، لكنه يزداد عنها بكونه المعرض الأول من نوعه في سلطنة عُمان الذي يركز على تاريخ التصميم في الصناعة الإيطالية الحديثة.
والمعرض الذي أقيم بالتعاون مع رابطة التصميم الصناعي الإيطالي يعود بزوار المتحف إلى سبعين سنة مضت من الإبداع الإيطالي ويجيب على سؤال جوهري هو، كيف يتم الجمع بين الفن والابتكار الصناعي ؟ ليصبح التصميم جزءًا أصيلاً من تفاصيل حياتنا اليومية يمكن أن يدخل في التنمية المستدامة.
فعبر عرض مجموعة من القطع الحائزة على جائزة البوصلة الذهبية التي تعد منذ عام 1954م أعرق جائزة تصميم في إيطاليا. تلك القطع التي تمثلت في مفردات القلم والكرسي والتلفاز والآلة الكاتبة وماكينة الخياطة. نستنطق منها جميعًا ومن خلال البعد البصري المتمثل في رسوماتها المعلقة والبعد السردي لها، والذي لم يقتصر على شرح وظائف المفردات المعروضة فحسب ، بل أبرز القصة أو الحكاية وراء كل واحدة منها - بما يجعلنا نصل الى نتيجة مؤداها أن قيمة التصميم لا ترتبط بسعر المنتج أو ندرته، بل بذكاء الفكرة وتأثيرها الإنساني والجمالي.
وختامًا، فإن مذكرة التفاهم التي وُقّعت على هامش المعرض بين الجمعية العُمانية للتصميم (تصميم عُمان) ومتحف رابطة التصميم الصناعي بإيطاليا، تمثل خطوة واعدة نحو بناء جسورٍ أوسع للتعاون وتبادل الخبرات والمعرفة في مجال التصميم. وآمل أن نجنى ثمار هذه الشراكة على أرض الواقع في أقرب وقت ممكن، لما تحمله من أهمية كبيرة في دعم المصممين العُمانيين وتمكينهم. كما أتطلع إلى أن تُولي برامج المذكرة وورش عملها المستقبلية ،اهتمامًا أكبر بالجانب الأكاديمي والتعليمي، بشقيه النظري والتطبيقي، بما يسهم في صقل مهارات الشباب العُماني، وتعزيز معارفهم، وفتح آفاق أرحب أمامهم للمشاركة في المعارض الدولية وأسابيع التصميم العالمية.
د. آسية البو علي
باحثة وكاتبة عمانية