لا تقاس قوة الدول في عالم اليوم، بما تملكه من ثروات ماديَّة، أو قوة عسكريَّة فقط، بل بحجم المعرفة التي تُعَد أحد المكونات الأساسيَّة للثقافة، لذلك تسابقت دول العالم في دعم الابتكار والإبداع البشري، القادر على المنافسة في المجالات الثقافيَّة المختلفة، التي تشمل العادات والتقاليد، والزي والآثار والتراث، والمعالم التاريخيَّة، والفنون الشعبيَّة، والمسرح والسينما، والمأكولات الشعبيَّة، والإنتاج الأدبي، وهي مكوِّنات يمكن استثمارها اقتصاديًّا في قطاع السياحة، ومعنويًّا من خلال تعزيز الهويَّة الوطنيَّة، وربط الإنسان بحضارته وموروثه الثقافي.
وتمتلك سلطنة عُمان رصيدًا هائلًا من الثراء الثقافي المادي وغير المادي، بفضل موقعها الفريد الذي جعلها ملتقى الحضارات على مر العصور، كما تميزت بغزارة الإنتاج الفكري، فبرز فيها أعلام في فنون الشعر والرواية والدراسات الأدبيَّة واللُّغويَّة، كما تتفرد بثراء وتنوع في الأزياء التقليديَّة والفنون الشعبيَّة، والحرف التقليديَّة، بجانب القلاع والحصون والحارات والأفلاج التاريخيَّة، والأكلات العُمانيَّة الأصيلة التي تتميز بالتنوع والاختلاف، والعادات والتقاليد والأخلاق العُمانيَّة التي تحوز احترام الزوار من جميع أنحاء العالم.
ولتعزيز الصناعات الثقافيَّة، عقدت سلطنة عُمان شراكات دوليَّة، أهمها مع «اليونسكو» لترسيخ حضورها كقوة حضاريَّة لها تأثير نوعي، يعكس عمق الثقافة العُمانيَّة الممتدة بجذورها في المشهد العالمي المعاصر، من خلال تحويل الفنون والحرف التقليديَّة إلى منتجات إبداعيَّة تخاطب الأجيال الحديثة في العالم، وللحفاظ على الاستدامة للمنجز الثقافي العُماني، وتقديمه بصورة تليق بعراقة عُمان، وترسيخ الوعي الجمالي ونشر ثقافة الابتكار المستمد من أصالة التراث، وتحويل عناصر التراث من مجرد شواهد تاريخيَّة إلى صناعة حيويَّة، بجانب حماية الأصالة والدراسات الثقافيَّة من مخاطر الاستنساخ في ظل الانفتاح الثقافي العالمي.
واعتمدت سلطنة عُمان في تعاملها مع «اليونسكو» نهجًا يعتمد على التكامل بين المؤسسات الثقافيَّة والبحث العلمي والدبلوماسيَّة، لتقديم ملفات تراثيَّة لا تكتفي بالسرد التاريخي، بل تبرز القيم الإنسانيَّة المشتركة، فتسجيل قلعة بهلا ومواقع أرض اللبان ضمن قائمة التراث العالمي، بوصفها شواهد على عمق التفاعل الحضاري لعُمان عبر التاريخ، كما قدم ملف الأفلاج العُمانيَّة باعتبارها نموذجًا حضاريًّا للإدارة المستدامة للمياه حتى يومنا هذا، والذي يمكن تحويله إلى أفق مفتوح للابتكار والتجديد، وتجاوز الدور التراثي ليصبح منصة للإبداع والابتكار في مجال الاستفادة من الموارد المائيَّة.
وتسعى منظومة ثقافة العُمانيَّة جاهدة لتجاوز دورها التقليدي في الحفظ والصون والعرض، ليتحول المنتج الثقافي إلى منصات إنتاج معرفي وإبداعي،
من خلال تفعيل أدوات التصميم، والتقنيَّات الرقميَّة والسرديَّات البصريَّة، وربط الحرف التقليديَّة باقتصاد الإبداع المعاصر، بدمجها في منظومات التصميم الجديدة، لتروي قصتها عبر الوسائط الرقميَّة التفاعليَّة، وتستثمر في صناعات ثقافيَّة كالأزياء والأفلام والألعاب الإلكترونيَّة، لتتحول من موروث ثقافي، إلى مشروع يدر عوائد اقتصاديَّة مجزية.
الصناعات الثقافيَّة أصبحت أحد المحركات الخفيَّة للاقتصاد العالمي والحياة الاجتماعيَّة المعاصرة، فهي توفر فرص العمل، وتحافظ على الهويَّة الوطنيَّة وتنقل القيم وتشكل الوعي، وترقي طريقة تواصلنا مع الآخر. كما حققت الصناعات الثقافيَّة مداخيل مهولة على مستوى العالم، بلغت قرابة (160) مليار دولار في أميركا اللاتينيَّة، وفقًا لبيانات حديثة لبنك التنمية لدول أميركا اللاتينيَّة، ووفرت قرابة مليوني وظيفة. كما أن الصناعات الثقافيَّة تمثل (8%) من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة، لدرجة إنشاء وزارة خاصة بالصناعات الإبداعيَّة، بهدف جعل بريطانيا مركزًا إبداعيًّا عالميًّا، والتصدي للمنافسة مع أميركا والصين في تصدير المحتوى الثقافي والخدمات الإبداعيَّة.
محمد عبد الصادق
كاتب صحفي مصري