الأحد 31 مايو 2026 م - 14 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

إيمان السكيتي: المناظرة فن ينقل الفرد من التفكير الخطي البسيط إلى رؤية متعددة الزوايا

إيمان السكيتي: المناظرة فن ينقل الفرد من التفكير الخطي البسيط إلى رؤية متعددة الزوايا
الأحد - 31 مايو 2026 02:25 م

مسقط ـ العُمانية: عند الحديث عن واقع المناظرات وسياقاتها، فإن منصّات التتويج على المستوى المحلي لم تكن إلا محطة انطلاق لرحلة فكرية عابرة للحدود مع الشابة العُمانية إيمان بنت هلال السكيتي، لتصل بعد حين ومن خلال هذا المضمار إلى منصات الأمم المتحدة إبان مشاركتها في المؤتمر الدولي بنيويورك عام 2026 ممثلةً لسلطنة عُمان حيث وجدت نفسها وسط (صراع الأيديولوجيات) العالمي. وأصبحت إيمان بطلة للنسخة الثالثة من البطولة الوطنية للمناظرات تجسد تطلعات جيل الشباب في سلطنة عُمان، الذي لطالما آمن بأن لغة العقل هي الجسر الأهم للوصول إلى العالمية، استنادًا إلى إرث عُماني ضارب في جذور الاتزان والحوار.

وقالت (السكيتي) في حديث لوكالة الأنباء العُمانية إن التتويج في المحافل على المستويين المحلي أو العالمي منجز تنافسيٌّ لا ينتهي بتسلم الكأس، بل نقطة تحوّل جوهرية في إدراك الذات كصوت قادر على التأثير، ما يمنح الفوز ثقة مبنية على تجربة حقيقية في اختبار الأفكار تحت وطأة الضغط الذهني، ويكسب إحساسًا عميقًا بالمسؤولية لتمثيل الوطن وقيمه في أرفع المستويات.

وأضافت: أن الحديث الرسمي في المحافل الدولية لا يقتصر على عرض الرأي الشخصي المجرد، بل يمتد ليكون فنًّا يراعي اختلاف الثقافات، ويبحث عن الأرضيات المشتركة التي تجمع البشر في بيئة تنافسية لا تعترف إلا بالقوة البرهانية، واستطاعت إيمان أن تفرض منطقها الخاص؛ ليس بالصوت العالي، بل ببناء تدريجي لمنهج تفكير واضح، ركزت فيه على تنظيم الفكرة وربطها بأدلة منطقية، مع قدرة فائقة على تفكيك حجج الطرف الآخر بهدوء وثبات، مؤكدة على أن الرهان دائمًا ما يكون على (وضوح الحجة ومرونتها).

ووضحت أن المناظرة فنّ ينقل الفرد من التفكير الخطي البسيط إلى رؤية متعددة الزوايا، لذلك هي (رياضة العقول)، حيث يتعامل الفرد مع القضايا والنزاعات العالمية في كونها شبكة معقدة من الأسباب والنتائج والافتراضات الكامنة، لا (صحيحة أو خاطئة) فقط، فهذا التحول يجعل المرء أكثر إبداعًا في طرح الحلول خارج الصندوق، وأكثر قدرة على استيعاب وجهات النظر المختلفة دون أن تفقد (بوصلتها الفكرية).

وفي ظل التدفق المعلوماتي المتسارع الذي يشهده العصر الرقمي، ترى إيمان بأن المناظرة تمنح الشاب العُماني ما وصفته بالفلترة الذهنية التي تعمل كحائط صدّ يحمي العقل من الانسياق وراء الاطروحات السطحية أو المضللة.

وأكدت على أن العقل المناظر مدرب على طرح الأسئلة الجوهرية قبل تبني أي موقف ومن خلال (ما هو الدليل القاطع؟ ما هو الافتراض الضمني؟ وما هي البدائل المتاحة؟). هذه الأسئلة تمكّن الشاب من التمييز بين الطرح الرصين والضعيف في تحليل السياسات والمفاهيم، ما ينعكس بشكل مباشر على كفاءة الفرد في تقييم المواقف على المستويات العملية والمهنية. ووضحت أن المناظر لا يمثل شخصه، بل هو حامل لصورة بلد بأكمله وسفير حقيقي من خلال طرحه المتزن، واحترامه للاختلاف، وتمسكه بقيمه الأصيلة دون انغلاق.

وأشارت إلى أن استخدام (اللغة العربية الفصحى) في المناظرات ليس مجرد خيار لغوي، بل هو فعل (تأصيل) للانتماء الثقافي، يمنح الشباب القدرة على التعبير عن قضاياهم بعمق أمام رياح العولمة. وبيّنت أن الفصحى في نظرها هي الوعاء الذي يحفظ الهُوية ويدعو إلى التمسك بالجذور، مما يوجد توازنًا دقيقًا بين الانفتاح على العالم والحفاظ على الخصوصية العُمانية، بحيث تصبح الهوية مصدر قوة في الحوار لا عائقًا أمامه، وأرى أن مشاركات الشباب العُماني دوليًّا كمناظرين يسهم في تقديم صورة ذهنية متحضرة عن الفكر الشبابي العُماني للعالم، حيث يظهر العُماني كشاب واعٍ، قادر على الحوار بلغة عقلانية هادئة بعيدًا عن الصور النمطية. فالمناظرة هنا تتحوّل إلى (جسر ثقافي) يتجاوز الحدود الجغرافية، ويؤثر في الرأي العام الدولي بذكاء وهدوء، وأن الاختلاف لا يمنع التفاهم، بل هو مدخل لإثراء النقاش الإنساني العالمي.

وعن الجانب النفسي والتحول الذاتي، أكدت على أن الوقوف المتكرر على منصات المناظرة أمام الجمهور يكسر حاجز الخوف تدريجيًّا، والثقة لا تأتي من الجرأة الفطرية فقط، بل من (الاستعداد الفكري الجيد والإيمان بقدرة الفكرة على الصمود). وتصف التحول النفسي الذي يطرأ على الشاب حين يدرك أن صوته مسموع وأن حجّته قادرة على تغيير قناعات الآخرين، بأنه شعور يعزّز قدرة الفرد على قيادة الحوار حتى في أكثر الظروف ضغطًا، وهو ما ينسحب على كافة جوانب القيادة الذاتية والمهنية.

ووضحت أن رحلتها من مسقط إلى نيويورك هي ترجمة حيّة لمحور (الإنسان والمجتمع) الذي يركز على تمكين الكفاءات الوطنية وتطوير المهارات القيادية للشباب، وأن الشباب العُماني يمتلك اليوم كافة المقومات ليكون رقمًا صعبًا في المؤشرات العالميّة للابتكار والتعليم والقيادة، شريطة أن يتسلحوا بالعلم والمنطق وأدوات الحوار الرصين.

وتختم إيمان السكيتية حديثها مؤكدة على أن طموحها المستقبلي لا ينفصل عن طموح وطنها؛ فهي تتطلع لأن تكون مساهمة في بناء وطنها، حاملةً معها لغة الحوار التي صقلتها المنصات، لتمثل بلادها كدولة سلام وحوار ومنطق في كل زمان ومكان.