دمشق ـ «الوطن »:
عن (منشورات المتوسط) في إيطاليا، صدر حديثاً للشاعر والباحث الفلسطيني محمد الزقزوق كتاب جديد بعنوان (أكتب كي لا أتوحش). وهو نصٌّ لا يمنح قارئه ترف المسافة أو حيادية القراءة، بل يزجّ به منذ السطر الأول في أتون تجربة تُكتب من داخل الجحيم لا من حوافه، حيث تغدو الكتابة هنا ضرورة وجودية وفعل مقاومة يومي لمنع تحلل الكائن البشري أمام وحشية الفقد والخراب. في هذا الكتاب، الذي يقع في نحو 200 صفحة، لا يوثّق الزقزوق أحداثاً عابرة، بل يبني حالة شعورية دائمة. تتراكم التفاصيل فيه لتُرهق وتُحاصر، جاعلةً من القارئ شريكاً في عبء النزوح، والجوع، وطوابير الانتظار. ما ينجح فيه المؤلف بقوة نادرة هو الكتابة عن الألم من عتمته الكاملة، دون محاولة لتجميله أو تفسيره، تاركاً النص خاماً، فوضوياً، وجارحاً، وهو ما يمنح العمل قوته الاستثنائية كوثيقة إنسانية كبرى عن حدود الاحتمال البشري. يتخذ الكتاب شكل مقاطع سردية متتابعة، بعيدة عن الحبكة التخييلية التقليدية، ليعتمد بدلاً من ذلك على (التراكم الزمني) الذي يبدأ من لحظة الصدمة الأولى، ثم يتطور عبر محطات النزوح وإعادة تنظيم الحياة في فضاءات ضيقة ومهددة. وينجح الزقزوق في تحويل التفاصيل الحياتية المضنية (الماء، الخبز، الكهرباء) إلى بنية سردية متكاملة بضمير المتكلم، تدمج بين التسجيل الواقعي الدقيق والتأمل الداخلي العميق.