جاءت ذكرى تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربيَّة لتجدِّد التأكيد على موقع دول المجلس كقوة اقتصاديَّة وتنمويَّة مؤثّرة إقليميًّا وعالميًّا، ليس فقط بالاعتماد على الموارد النفطيَّة، بل عبر بناء اقتصادات أكثر تنوعًا واستدامة مع التكامل والتنسيق بين دول المجلس.
ويتجلَّى ترسيخ دول المجلس لهذه المكانة من خلال البيانات الصادرة عن المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربيَّة، حيث إن وصول الناتج المحلي الإجمالي الجاري لدول المجلس إلى نحو (2.4) تريليون دولار دلالة واضحة على الثقل الاقتصادي الخليجي عالميًّا، ما يضع اقتصادات دول المجلس ضمن الاقتصادات الكبرى المؤثِّرة في حركة التجارة والاستثمار والطاقة عالميًّا. كما أنه من المُهم أيضًا النظر إلى تجاوز مساهمة القطاع غير النفطي نسبة (78%)، مع تحقيق نموٍّ بلغ (5.3%) خلال عام 2025، وما يعكسه ذلك من نجاح متقدِّم في مسارات التنويع الاقتصادي التي تبنَّتها دول المجلس خلال السنوات الماضية، عبر التوسُّع في قطاعات الصناعة والخدمات والسياحة والتكنولوجيا والاقتصاد اللوجستي والطاقة المتجددة، وقدرة الاقتصادات الخليجيَّة على تقليل الاعتماد النسبي على عائدات النفط، وبناء نماذج تنمويَّة أكثر مرونة في مواجهة التقلبات الاقتصاديَّة العالميَّة.
كذلك فإن ارتفاع أصول البنوك التجاريَّة إلى نحو (3.9) تريليون دولار، إلى جانب نمو الودائع المصرفيَّة إلى (2.3) تريليون دولار، يشير إلى مستوى عالٍ من الاستقرار المالي والمصرفي في دول المجلس، ويعكس متانة القطاع البنكي الخليجي وقدرته على دعم النمو الاقتصادي وتمويل المشاريع والاستثمارات الكبرى. كما تعكس هذه الأرقام ارتفاع مستويات السيولة والثقة المتزايدة من قبل الأفراد والشركات والمستثمرين في الأنظمة الماليَّة الخليجيَّة، وهو ما يعزِّز جاذبيَّة المنطقة للاستثمارات الأجنبيَّة، ويؤكد سلامة السياسات النقديَّة والرقابيَّة المتبعة.
أمَّا وصول حجم صناديق الثروة السياديَّة الخليجيَّة إلى نحو (5) تريليونات دولار، بما يُمثِّل أكثر من (30%) من إجمالي الصناديق السياديَّة عالميًّا، فيؤكد تنامي الثقل الاستثماري الخليجي على المستوى الدولي. فهذه الصناديق أصبحت لاعبًا رئيسًا في الأسواق العالميَّة، ليس فقط من حيث حجم الأصول، بل أيضًا من حيث التأثير في قطاعات استراتيجيَّة مثل التكنولوجيا والطاقة والبنية الأساسيَّة والعقارات والصناعات المستقبليَّة. كما تمنح هذه الأصول الضخمة دول المجلس قدرةً أكبر على تنويع مصادر الدخل، وتأمين الاستدامة الماليَّة للأجيال القادمة، وتعزيز النفوذ الاقتصادي الخليجي عالميًّا.
ويأتي ذلك أيضًا مع مواصلة دول المجلس المحافظة على موقعها المحوري في سوق الطاقة العالميَّة، بإنتاج نفطي بلغ (16.6) مليون برميل يوميًّا، يُمثِّل أكثر من (22%) من الإنتاج العالمي للنفط الخام، ما يؤكد استمرار الخليج كأحد أهم مراكز أمن الطاقة العالمي. وتمنح هذه المكانة دول المجلس دورًا مؤثِّرًا في استقرار الأسواق العالميَّة وتوازن الإمدادات، فضلًا عن قدرتها على توظيف عائدات الطاقة في تسريع خطط التنمية والتحول الاقتصادي.
وهنا تبرز أهميَّة استمرار وتعميق التكامل الخليجي كأحد أهم عوامل الحفاظ على هذه المنجزات وتعظيم أثرها، وترجمة ذلك إلى تعميق أواصر الحراك الاجتماعي المتنامي بين مواطني دول المجلس، والبُعد الإنساني والتنموي للتكامل الخليجي، ونجاح السياسات الخليجيَّة المشتركة في تحويل مفهوم المواطنة الخليجيَّة إلى واقع عملي يدعم التنمية والاستقرار والتقارب المُجتمعي بين دول المجلس.
هيثم العايدي
كاتب صحفي مصري