السبت 30 مايو 2026 م - 13 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : القيم تصنع قوة الأوطان

السبت - 30 مايو 2026 03:39 م

رأي الوطن

تؤكد المناسبات الدينيَّة الكبرى أن قوَّة المُجتمعات تنبع من منظومة القِيَم التي توجِّه سلوك الأفراد والمؤسَّسات، وتصوغ طبيعة العلاقات داخل المُجتمع، وقد أعادت خطبة عيد الأضحى المبارك التأكيد على معانٍ راسخة تقوم على الإيمان والطاعة والعدل والاعتدال والرحمة ووحدة الكلمة، وهي قِيَم ارتبطت عبر التاريخ بمَسيرة الحضارة الإنسانيَّة وقدرة الأُمم على تحقيق الاستقرار والتقدُّم. وتحمل هذه المعاني أهميَّة متجدِّدة في عالم تتسارع فيه التحوُّلات وتتزايد فيه التحدِّيات، حيث تظل القِيَم الأخلاقيَّة عنصرًا أساسًا في ترسيخ الثقة، وتعزيز التَّماسُك الاجتماعي، وتوجيه الطاقات نحو العمل والبناء. وعندما تتحول هذه القِيَم إلى ممارسة يوميَّة في الأُسرة ومكان العمل والمؤسَّسات العامَّة، تنمو روح المسؤوليَّة، وتتسع مساحات التعاون، وتترسخ ثقافة احترام الحقوق والواجبات؛ فينعكس ذلك على مختلف جوانب الحياة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة. ومن هذا المنطلق تظهر أهميَّة الرسائل التي حملتها الخطبة؛ لأنها تضع الإنسان أمام مسؤوليَّته في الإسهام في بناء مُجتمع أكثر تماسكًا وقدرة على صناعة المستقبل، وتؤكد أن التنمية والاستقرار والأمن المُجتمعي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمنظومة القِيَم التي تحكم السلوك، وتوجِّه مسار العمل الوطني نحو أهدافه الكبرى.

إنَّ ما يشهده العالم من تحوُّلات متسارعة وصراعات ممتدَّة وأزمات متشابكة، يفرض على المُجتمعات التَّمسُّك بمنظومة راسخة من القِيَم التي تحكم المواقف، وتوجِّه السلوك نحو الحق والعدل والحكمة. فحالة الاضطراب التي تعيشها مناطق عديدة من العالم كشفت حجم الحاجة إلى المبادئ التي تحفظ كرامة الإنسان، وتصون الحقوق وتعزز فرص التفاهم والتعاون بين الشعوب. وهنا نجد الدعوة العُمانيَّة التي تحضُّ على الثبات على الحقِّ والتَّمسُّك بالعدل، والتحلِّي بالصبر والحكمة في مواجهة التحدِّيات، وهي قِيَم تمنح المُجتمعات قدرة أكبر على تجاوز الأزمات وتحقيق الاستقرار. كما أن احترام العدالة والاحتكام إلى القِيَم الأخلاقيَّة يُسهمان في بناء بيئة أكثر أمنًا وتوازنًا، ويعززان قدرة الدول على حماية مصالحها، وترسيخ مكانتها في عالم تتزايد فيه التحديات السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، الأمر الذي يجعل من التَّمسُّك بهذه المبادئ خيارًا حضاريًّا يعزز الاستقرار، ويمنح المُجتمعات القدرة على مواصلة مَسيرة التقدُّم بثقة ورؤية واضحة. ولعلَّ من أهم الرسائل التي حملتها خطبة عيد الأضحى المبارك التأكيد على أن التلاحم المُجتمعي، الذي يُمثِّل أحد أعمدة الاستقرار الوطني، وأحد أهم مصادر القوَّة التي تمتلكها المُجتمعات في مواجهة التحدِّيات والمتغيِّرات. فالمُجتمع الذي تَسُوده قِيَم التآخي والتراحم والتعاطف والتعاون يمتلك قدرة أكبر على تعزيز أمنه الاجتماعي، وترسيخ وحدته الداخليَّة، ودعم مَسيرته التنمويَّة. وقد أكدت الخطبة على الاهتمام العُماني الواضح بمعاني إصلاح ذات البَيْن وتعزيز الروابط الإنسانيَّة والاجتماعيَّة؛ لِمَا لها من أثر مباشر في نشر الطمأنينة وتقوية النسيج الوطني ورفع مستوى الثقة بين أفراد المُجتمع، حيث تكتسب هذه المعاني أهميَّة خاصَّة في سلطنة عُمان التي قامت تجربتها التنمويَّة على التَّماسُك المُجتمعي والتعايش والاحترام المتبادل، وهي مرتكزات أسهمت في تعزيز الاستقرار ودعم جهود التنمية في مختلف المجالات. كما أن المحافظة على تلك القِيَم وترسيخها بين الأجيال تُمثِّل استثمارًا طويل الأمد في مستقبل الوطن؛ لأنها تعزز روح المسؤوليَّة المشتركة وتدفع الجميع نحو المشاركة الإيجابيَّة في بناء مُجتمع أكثر تماسكًا وقدرة على مواصلة مَسيرة التقدُّم والازدهار.

إنَّ ترجمة القِيَم والمبادئ إلى سلوك عملي ينعكس في ميادين العمل والإنتاج والعطاء، تُمثِّل الطريق الذي تنتقل من خلاله الأفكار إلى إنجازات ملموسة تسهم في رفعة الأوطان وتعزيز مكتسباتها. فالمُجتمعات التي تنجح في ترسيخ ثقافة المسؤوليَّة والإتقان واحترام الواجبات، تمتلك مقوِّمات أكبر لتحقيق التنمية المستدامة ومواصلة التقدُّم في مختلف المجالات. وقد حملت خطبة عيد الأضحى المبارك دعوة واضحة إلى تقدير كل يد تبني وتسهم في خدمة الوطن، وإلى توجيه الطاقات نحو ما يعزز الأمن والاستقرار والتَّماسُك المُجتمعي، وهي معانٍ تنسجم مع النهج الذي تنتهجه سلطنة عُمان في بناء مستقبلها القائم على العمل والإنتاج والشراكة المُجتمعيَّة. كما أن المحافظة على المنجزات الوطنيَّة تتطلب استمرار ترسيخ قِيَم التعاون والانتماء والإخلاص في أداء المسؤوليَّات؛ لأن التنمية في جوهرها عمليَّة متواصلة يشارك فيها الجميع، وتتجسد نتائجها في اقتصاد أكثر قوَّة، ومُجتمع أكثر تماسكًا، ووطن يمضي بثقة نحو تحقيق أهدافه وتطلُّعاته المستقبليَّة.