دمشق ـ من وحيد تاجا:
في ديوان (السوريون)، للشاعر السوري عبد الله الحامدي، الصادر حديثا عن دار نينوى بدمشق، لا نكون أمام نص شعري تقليدي بقدر ما نجد أنفسنا داخل فسيفساء لغوية وتاريخية تعيد تشكيل الهوية السورية بوصفها تجربة إنسانية معقّدة، تتجاوز الجغرافيا إلى ما هو أعمق: الذاكرة، الألم، والانتماء.
ينفتح الديوان على تعددية صوتية لافتة، فـ(السوريون) ليسوا جماعة متجانسة، بل طيف واسع من الأعراق والثقافات والتواريخ المتداخلة. يستحضر الشاعر العربي والكردي والأرمني والآشوري وغيرهم، في محاولة واعية لإعادة بناء سردية جامعة، كما في قوله: (كنا جمعاً تحت عمامة عثمان) ، حيث يتكئ النص على الذاكرة التاريخية ليقارب الحاضر المتشظي.
ما يميز هذا الديوان هو قدرته على الجمع بين الشعري والتوثيقي، إذ تتداخل الإشارات إلى أحداث تاريخية وسياسية وثقافية (من الكومونة إلى القوانين المعاصرة) في نسيج شعري لا يفقد حساسيته الجمالية. تتجلى شاعرية وجمالية (الحامدي) في تحويل الوطن إلى (قطعة فلوت متبقية في الفم)، موسيقى مبتورة لكنها لا تزال قادرة على العزف. ورغم أن القسم المركزي من الديوان يستعرض التاريخ السوري كسلسلة من الخسارات المتراكمة منذ الحوريين وصولاً إلى صراعات القوى المعاصرة، إلا أن هذا التوثيق ليس استسلاماً للعدمية، بل هو محاولة واعية لفهم الجرح تمهيداً لاندقاله.
لغة (الحامدي) مشحونة بكثافة رمزية عالية، لكنها في الوقت ذاته مشدودة إلى الواقع، فهو لا يكتب من برج عاجي، بل من قلب المعاناة اليومية، حيث تتجاور صور الحرب مع تفاصيل الحياة البسيطة.
في مقاطع مثل:(وأجساد لأطفال عراة ينسلون من الخيام) ، تبلغ القصيدة ذروتها الإنسانية، وتتحول إلى شهادة على زمن الانكسار، ومع ذلك، لا يستسلم النص لليأس، إذ تتكرر مفردة النهوض بوصفها أفقاً مفتوحاً:(انهض… إلى وقت جديد مثل ثوب العيد)،هنا، تتحول القصيدة من رثاء إلى دعوة ضمنية للمقاومة، ومن تسجيل للخسارة إلى محاولة لإعادة تخيل المستقبل.
بنية الديوان قائمة على التقطيع والتشظي، وهو اختيار فني يعكس موضوعه، فكما أن الواقع السوري ممزق، تأتي القصيدة على هيئة مقاطع متجاورة، أشبه بشظايا ذاكرة تحاول أن تلتئم. هذا الأسلوب يمنح النص ديناميكية خاصة، لكنه قد يفرض على القارئ جهداً تأويلياً أكبر، وهو ثمن جمالي يبدو الشاعر مستعداً لدفعه.
في المحصلة، يقدم (السوريون) تجربة شعرية ناضجة، تمزج بين الحس الإنساني العميق والوعي التاريخي، وتطرح سؤال الهوية في زمن الانهيار. إنه ديوان لا يكتفي بوصف المأساة، بل يسعى إلى فهمها، وربما إلى تجاوزها عبر الشعر. إنه يؤكد أن الهوية السورية، وإن جُرحت، تمتلك قدرة فريدة على الترميم، فبين شظايا الذاكرة المتناثرة، يظل هناك دائماً نور يتسلل من شقوق القصيدة، ليعلن أن السوري، الذي اختبر الموت والمنفى، هو نفسه الذي يمتلك سر الانبعاث من جديد، ليصنع وقتاً يليق بأحلامه.