الأحد 31 مايو 2026 م - 14 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

قصة قصيرة : ذاكرة ريحان وطين

قصة قصيرة : ذاكرة ريحان وطين
الأربعاء - 20 مايو 2026 02:31 م
10

تبحث علياء بكل شغف عن خيوط الريحان الخضراء الصغيرة التي بدأت تنمو تحت النبتة الأم. تحملها برفق بين يديها، تحفر لها حفرة صغيرة بأصبعها، تذكر اسم الله، ثم ترويها بقطرات قليلة من الماء. تحب علياء النباتات والأشجار كثيرًا، لكنها تعشق الريحان بشكل خاص، تنشر بذوره في كل الأرجاء، تود لو أنها تحوّل حديقة البيت الصغيرة إلى عالم من الريحان، تشم رائحته كلما اقتربت منه، وتفرك وريقاته الخضراء بين كفيها لتترك رائحة جميلة، كما أنها ستضع بين خصلات شعرها بعضًا من أوراقه اليانعة، متذكرة جدتها صالحة التي تعشق الريحان مثلها، كما تتذكر خصل شعرها التي تربط بها بعض أعواد الريحان الخضراء؛ لتترك رائحة جميلة تندمج مع رائحة الحناء الزكية التي تحرص على صبغ شعرها به شهريًا.

منذ طفولتها عاشت أغلب حياتها في كنف جدتها، واكتفت بوجودها في حياتها، تعلمها حب الريحان والأشجار والطين والتراب، فتقلصت دائرة علاقاتها الاجتماعية، بينما مرت أمها كطيف عابر، لم يترك سوى بعض الذكريات الباهتة التي تعبر كغيمة مطر صيفية شحيحة لا تمطر ولا تترك أثرًا طيبًا.

تعود علياء للتتأمل صف الريحان القريب منها، تضع بعض وريقاته الخضراء في كأس الماء الذي تشربه، تحس بطعمه العطري في فمها، دائمًا يحتل الريحان مكانًا أساسيًا في حياتها، تضعه في الشاي وتزين به السلطة وطبق الأرز، وتضعه مع القهوة، كما أنها لا تشرب الماء في بداية الصباح الباكر إلا بوجود وريقات خضراء طازجة تقطفها من الريحان الموجود في بيتهم.

تفيض السعادة في قلبها حين ينزل المطر، تتابع قطراته المتساقطة على رأسها وعلى أوراق الريحان من حولها، تشعر في داخلها بنبضات خفية تسري إليها من النباتات المتراصة، تجد في تحرك تلك الأوراق سمفونية سعادة وفرح لا تُسمع لكنها تدرك بالروح والوجدان.

بعد أيام تصبح أوراق الريحان أكثر اخضرارًا، ورائحتها تصل إلى مسافات بعيدة، وأهم ما يجذب علياء في تلك اللحظات هي تلك البراعم الصغيرة التي تملأ مساحات واسعة وتنتظر من يغرسها في أرض جديدة. جينات جدتها صالحة انتقلت إليها، بينما كانت أمها تشعر بالضجر الكبير وتنتقد تعلقها بالنباتات، ودائمًا ما كنت تصرح لها:

(جدتك كانت تريد تسميتك ريحانة، لكنني اخترت لك اسم علياء، وأنت اخترت التعلق بالطين والنباتات من حولك!)

لم ترد عليها، كما أنها لم تعلق حين قالت لها بغضب:(تجلسين مع الريحان أكثر من جلوسك معي).

رغم بلوغها الثلاثين عامًا، عجزت علياء عن فهم شخصية أمها، رفضها للكثير من الأشياء التي ما زالت علياء تنجذب إليها ولّد صراعًا وتوترًا سرمديًا في شكل علاقتهما، أحاديثهما المقتضبة شكلت شرخًا كبيرًا ازداد حين رحلت جدتها، حين رحلت غادرت الكثير من الأشياء الجميلة دائرة حياتها، بينما ظل الريحان يذكرها برقة أسلوبها، وصفاء روحها، ما زالت تذكر صورتها قبل رحيلها بشهر حين أمسكت يدها وقالت لها: (أريدك أن تزرعي الجهة المقابلة بالريحان، كما أريد أن يظل قلبك طاهرًا نقيًا).

تحاول المحافظة على نقاء قلبها في ظل تلك التوترات التي تغزوها بقسوة، رحيل جدتها ترك في قلبها جرحًا غائرًا عميقًا تزداد حدته حين تدخل في صراعاتها شبه اليومية مع أمها، حبها للريحان يكبر يومياً، تراودها دائمًا الرغبة في شراء مزرعة كبيرة، ستحرص على تزيينها بأنواع شتى من النباتات، وبلا شك ستزرع على مساحات كبيرة أصنافًا متباينة من الريحان.

ستهرب من صراخ أمها الدائم، ستجد فيها ملاذًا يحميها من التوترات القائمة في حياتها، سيزورها وجه جدتها، ستجلس بين الطين والماء والأشجار.

يقطع تفكيرها حديث والدتها المتواصل الذي تتجاهله بالصمت والسكوت، تشعر بها تغادر المكان، العزلة التي تعيشها قلصت من عدد الأيادي المحيطة بها، لكنها شكلت في داخلها حياة جديدة، حياة تحبها وترغب فيها بشدة، لا تكترث بالأحاديث التي تقال من خلفها، جرح رحيل جدتها لم يبرأ إلا بعد أن واصلت حياتها في ظل ما تحبه ويحبه قلب جدتها.

تنظر نحو أوراق الريحان بين يديها، تتنفس بصوت مسموع، تصل إلى أنفها رائحته العطرية المميزة، تضعه في كوب الماء الذي تحمله بين يديها، بينما تحملها الذكريات إلى عوالم بعيدة.

د. أمل المغيزوية 

كاتبة عمانية