تشهد المنطقة المحيطة بنا حالة مستمرة من الاضطرابات والأزمات السياسيَّة المتسارعة التي تهدد حركة التجارة العالميَّة والممرَّات المائيَّة، وخصوصًا المخاطر المستمرة حول مضيق هرمز. وسط هذا المشهد، تبرز سلطنة عُمان كواحة استقرار وأمان بفضل سياستها المتزنة، وهذا الأمان تحوَّل اليوم من ميزة سياسيَّة إلى محرك اقتصادي فريد يجذب السيولة النقديَّة الفارَّة من بيئات الانكشاف الأمني. ومن واقع الحركة اليوميَّة في صالة «استثمر في عُمان»، نرصد إقبالًا متزايدًا من المستثمرين الأجانب لتوطين ثرواتهم، مستفيدين من المبادرات الحكوميَّة مثل «برنامج الإقامة الذهبيَّة» التي تربط حق الاستقرار الطويل بالأصول العقاريَّة. إلَّا أن هذه اللحظة الجيوسياسيَّة الحرجة تتطلب من الدولة تصرفًا سريعًا وحازمًا لابتكار حلول بنيويَّة دائمة، بدلًا من الاعتماد على حلول مؤقتة وفقاعيَّة تنتهي بانتهاء الأزمة الراهنة؛ لضمان تحويل هذه التدفقات العابرة إلى مكاسب راسخة تخدم الاقتصاد الوطني على المدى الطويل.
إن رغبة المستثمر الخارجي في الاستقرار أحدثت طفرة حقيقيَّة في قطاع التطوير العقاري العُماني، وهو ما تثبته لُغة الأرقام الصادرة عن النشرة الإحصائيَّة الشهريَّة بنهاية الربع الأول من عام 2026م؛ فقد قفزت القيمة المتداولة للعقار في سلطنة عُمان لتصل إلى قرابة (763.5) مليون ريال عُماني، مقارنة بـ(715.3) مليون ريال عُماني في نفس الفترة من عام 2025م. هذا الاتجاه التصاعدي تُرجم عبر إصدار (59,625) ملكيَّة عقاريَّة، كان نصيب المستثمرين الأجانب والخليجيين منها (353) ملكيَّة صادرة في ثلاثة أشهر فقط. تعكس هذه البيانات الرسميَّة حجمًا ضخمًا من السيولة الأجنبيَّة التي تتدفق نحو أصول الدولة الثابتة، ممَّا يضعنا في صالة «استثمر في عُمان» أمام مسؤوليَّة وطنيَّة تستوجب حوكمة هذا الزخم عبر أدوات تشريعيَّة ذكيَّة تمنع تسرب هذه الأموال للخارج أو ذهابها إلى أسواق إقليميَّة منافسة.
لترجمة هذه التدفقات إلى أصول مستدامة، جاء صدور المرسوم السُّلطاني رقم (56/2026) بإصدار قانون السجل العقاري الجديد كخطوة تطويريَّة حتميَّة ألغت النظام القديم رقم (2/98) الذي شارف على عامه الثامن والعشرين دون تحديث، وراجعت التشريعات التقليديَّة السابقة مثل قانون الأراضي (5/80) وقانون الانتفاع (5/81). يقدِّم القانون الجديد فلسفة قائمة على «الصحيفة العقاريَّة الرقميَّة المشفرة»، وهي منظومة إلكترونيَّة بالكامل تُلغي الدورة المستنديَّة التقليديَّة والمعاملات الورقيَّة البطيئة، ممَّا يسرِّع إجراءات التملك والرهن بالتكامل مع أنظمة الصالة. وتكمن القوة الحمائيَّة للقانون في استحداث نظام «السجل العقاري المبدئي» (المادة 25)، الذي يحمي أموال المشتري في المشاريع قيد الإنشاء (البيع على الخريطة)، ويمنع التلاعب أو البيع المتكرر للوحدات، إلى جانب ضبط الوكالات في المادتين (18 و19) لحماية أملاك المستثمرين غير المقيمين. هذه الحوكمة لم تحمِ المستثمر فحسب، بل حمت حقوق الدولة الماليَّة؛ حيث فرضت المادة (39) غرامات رادعة بضعف القيمة على التهرب من الرسوم، ممَّا يعزز الإيرادات غير النفطيَّة التي بلغت في الربع الأول من عام 2026م وحده حوالي (17.9) مليون ريال عُماني كرسوم محصلة للتصرفات العقاريَّة.
توضح التجارب الدوليَّة الناجحة أن الدول الذكيَّة هي التي تستغل موقعها وتشريعاتها لبناء بيئة ثقة تتجاوز حدودها الجغرافيَّة ومحدوديَّة سوقها المحلِّي؛ ففي تجربة إمارة دبي، كان إدخال نظام السجل العقاري المبدئي (عقودي) هو الأداة السحريَّة التي أعادت الثقة الكاملة للمستثمرين الأجانب في قطاع الإنشاءات قيد التطوير؛ لأنه ألغى احتمالات النزاع القانوني. وفي تجربة سنغافورة، استغلت الدولة صغر مساحتها ووجودها في محيط إقليمي مزدحم، وحوَّلت سجلَّها العقاري إلى منظومة رقميَّة شفافة بنسبة (100%)، ممَّا جعل المستثمر العالمي يفضل ضخ أمواله هناك ليقينه التام بأن حقوقه محميَّة إلكترونيًّا دون تعقيد إداري. إن هذه النماذج تؤكد أن التحديث التشريعي الذي تقوده عُمان حاليًّا يُمثِّل البنية الأساسيَّة لربط موانئنا وأصولنا العقاريَّة بالعمق الاقتصادي الخليجي والعربي العملاق الذي تقوده المملكة العربيَّة السعوديَّة باقتصادها البالغ (1.32) تريليون دولار، ممَّا يحول السلطنة من سوق استهلاكي صغير إلى منصَّة نفاذ، وإقامة واستقرار آمنة لكبرى الشركات ورؤوس الأموال.
لكيلا تكون الطفرة الحاليَّة مجرد فقاعة مؤقتة تذهب بذهاب الاضطرابات السياسيَّة، نقترح تَبنِّي السياسات الاحترافيَّة التالية لتعظيم الفائدة لصالح الدولة: تطبيق إلزاميَّة «شراكة القيمة المحليَّة المضافة» (ICV): يجب ألَّا يقتصر دور المستثمر الأجنبي الحاصل على الإقامة الذهبيَّة على شراء العقار فقط، بل يتم ربط التسهيلات الممنوحة له في السجل العقاري الجديد بنسبة مساهمة محليَّة. ويُشترط على المطورين والمستثمرين الأجانب لشراء أو تطوير المساحات العقاريَّة الكبرى تشغيل مصانع مواد البناء العُمانيَّة المحليَّة، أو توظيف ونقل الخبرات إلى الكوادر والمهندسين العُمانيين، لكي تضمن الدولة بناء كفاءات وطنيَّة وبنية أساسيَّة دائمة. تأسيس «صندوق العوائد العقاريَّة السيادي للتنويع الاقتصادي»: نقترح استقطاع نسبة محددة من الرسوم العقاريَّة المتنامية الناتجة عن مبيعات الأجانب (والتي تقترب من (18) مليون ريال فصليًّا)، وتوجيهها نحو صندوق استثماري سيادي مخصص لدعم قطاعات المستقبل مثل الذكاء الاصطناعي، والابتكار، والطاقة المتجددة. هذا الإجراء يضمن للدولة تحويل أموال العقار الجارية إلى أصول إنتاجيَّة دائمة تدعم الميزانيَّة العامة بعيدًا عن تقلبات النفط والعقار مستقبلًا. الربط التشريعي الذكي لمنع التضخم (حماية المواطن): استخدام البيانات الضخمة الناتجة عن السجل الرقمي في صالة «استثمر في عُمان» لفرض نظام «التحكم الجغرافي بالملكيَّات»، ويتم توجيه المستثمرين الأجانب نحو مناطق تطويريَّة محددة ومخصصة للاستثمار الخارجي (مثل المجمعات السياحيَّة المتكاملة والمُدن الجديدة كمدينة السُّلطان هيثم)، مع منع التملك العشوائي في الأحياء السكنيَّة التقليديَّة للمواطنين، ممَّا يحمي المواطن العُماني من ارتفاع أسعار الأراضي المصطنع، ويضمن تنظيم التوسُّع العمراني للدولة بشكل مدروس.
بيان بنت سعيد النبهانية
كاتبة عمانية