يُصنَّف الذكاء الاصطناعي ضمن الجيل الرابع من التكنولوجيا الرقميَّة المتقدمة، أو ما يُعرف غالبًا بالثورة الصناعيَّة الرابعة، وهي المرحلة التي تدمج (الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والحوسبة السحابيَّة، والروبوتات، وتحليل البيانات الضخمة، والطباعة ثلاثيَّة الأبعاد، والشبكات الذكيَّة). ويُعَد الذكاء الاصطناعي جيلًا متقدمًا، ولأهميَّته يُستخدم في حياتنا العمليَّة؛ لذلك، وفي خطوة تُبنى عليها خطوات علميَّة قادمة، بدأ المركز الوطني للإحصاء والمعلومات تنفيذ استطلاع للرأي العام حول استخدام أفراد المُجتمع لتقنيَّة الذكاء الاصطناعي في الحياة اليوميَّة، ضمن جهوده في رصد التحولات الرقميَّة وقياس التحولات الرقميَّة المرتبطة بالتقنيَّات الحديثة، مما دفعنا في هذا المقال إلى إلقاء الضوء على فوائد وتحديات الذكاء الاصطناعي بعد أن أصبحت تقنيَّته تشتمل على فوائد اجتماعيَّة واسعة على مستوى الأفراد والمُجتمعات؛ لأنها لم تَعُد مقتصرة على الشركات أو المختبرات، بل دخلت الحياة اليوميَّة بشكل مباشر. منها تسهيل الوصول إلى المعرفة والتعليم؛ لِمَا له من إمكانيَّة التعلُّم بشكل أسرع وأكثر تخصيصًا لاحتياجاتهم، ومنها شرح الدروس بلُغات وأساليب مختلفة، ومساعدة الطلاب في البحث والتلخيص، ودعم ذوي صعوبات التعلم، وتوفير تعليم منخفض التكلفة عبر الإنترنت، وتحسين التواصل الاجتماعي الذي يساعد في الترجمة الفوريَّة بين اللُّغات وتسهيل التواصل بين الثقافات، وكذلك مساعدة ذوي الإعاقة السمعيَّة أو البصريَّة عبر أدوات القراءة والتعرُّف على الصوت.
كما أن الذكاء الاصطناعي يسهم في رفع الإنتاجيَّة وتوفير الوقت؛ لكي يستطيع الأفراد إنجاز أعمال يوميَّة بسرعة أكبر، مثل كتابة التقارير والرسائل، وتنظيم الوقت والمواعيد، والبحث عن المعلومات وتحليلها، والمساعدة في الأعمال التجاريَّة الصغيرة. وهذا يفيد أصحاب المشاريع والمتاجر الصغيرة بإعداد أفكار تسويق أو إدارة المخزون وخدمة العملاء. كما أن دعم الرعاية الصحيَّة بالذكاء الاصطناعي له دور اجتماعي مهم في الصحة من خلال التوعية الصحيَّة، والمساعدة في اكتشاف الأمراض مبكرًا، ومتابعة المرضى عن بُعد، وتسهيل حجز المواعيد الطبيَّة وتحليل الفحوصات، وتعزيز فرص العمل والعمل الحُر. وقد خلق الذكاء الاصطناعي وظائف ومجالات جديدة، أبرزها صناعة المحتوى، والتصميم الرقمي، وتحليل البيانات، والتسويق الإلكتروني. وفي مجال البرمجة وتطوير التطبيقات، ساعد كثيرًا من الشباب على بدء أعمال فرديَّة عبر الإنترنت بتكاليف بسيطة. كما قدَّم لكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة أدوات تساعدهم على الاستقلاليَّة، مثل المساعدات الصوتيَّة، والقراءة الآليَّة للنصوص، والتذكير بالأدوية والمواعيد، والتحكم بالأجهزة المنزليَّة بالصوت، بالإضافة إلى نشر الخدمات الإلكترونيَّة بتسهيل التعلم والعمل عن بُعد، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتوسيع الوصول للمعلومات والخدمات الحكوميَّة.
تحديات الذكاء الاصطناعي
رغم الفوائد العديدة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، إلَّا أن هناك تحديات أيضًا؛ إذ يواجه مجموعة كبيرة من التحديات التقنيَّة والاجتماعيَّة والأخلاقيَّة، ومن أبرزها الخصوصيَّة وحماية البيانات، إذ إن أنظمة الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى كميَّات ضخمة من البيانات للتعلم، وهذا يثير مخاوف حول تسريب المعلومات الشخصيَّة، والمراقبة الرقميَّة، واستخدام البيانات دون إذن واضح، بالإضافة إلى فقدان بعض الوظائف في المهن التقليديَّة، وإمكانيَّة استغلال الذكاء الاصطناعي في الهجمات الإلكترونيَّة باختراق الأنظمة ونشر المعلومات المضللة. كما أن الاعتماد الزائد على الآلات يؤثر على مهارات التفكير البشري واتخاذ القرار. وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى تكلفة عالية باستخدام مراكز بيانات ضخمة، مع استهلاك كبير للطاقة. بالإضافة إلى أنه، رغم التطور الكبير، ما زالت الأنظمة الذكيَّة لا تفهم المشاعر البشريَّة بشكل كامل، وتفتقر إلى الوعي الحقيقي لاعتمادها على البيانات أكثر من الفهم الإنساني العميق؛ ولهذا يرى كثير من الباحثين أن المستقبل سيعتمد على التكامل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي أكثر من استبدال الإنسان.
إن الاستطلاع الذي يجريه المركز الوطني للإحصاء والمعلومات حول استخدامات الذكاء الاصطناعي يعبِّر عن حرص المسؤولين على المتابعة العلميَّة لتطورات الأجيال العلميَّة الجديدة، والخروج بنتائج تسهم في وضع خطط لكيفيَّة الاستفادة منها في تطوير أساليب الحياة، والتحذير من المآلات التي يمكن التنبيه عليها مبكرًا؛ للاستفادة الكاملة من أدوات العلم، وتجنب السلبيات التي قد تواجه هذه الطفرة العلميَّة.
جودة مرسي
من أسرة تحرير «الوطن »