مسقط ـ العُمانية: تبرز النجاحات المتحققة للمسرح الجامعي الشبابي فيما تقوم به المؤسسات الرسمية والخاصة من جهود في صقل الطاقات الشبابية للتحول نحو الاحتراف، ما يسجل نقلة نوعية في مسار الحراك الثقافي على المستوى المحلي؛ خاصة في ظل استثمار هذه الطاقات ونقلها من حيز الهواية إلى فضاءات الاحترافية، ويأتي هذا التطور نظرًا لما توجده البيئات الأكاديمية من استراتيجيات تنهض بواقع الشباب وتحويل طاقاتهم إلى مهارات فنية مسرحية ناضجة، تمكّن المبدعين منهم من تقديم عروض فنية تتسم بالتكامل والتوافق الفني المسرحي.
هنا استعراض لتجارب من المهرجان المسرحي الجامعي الثامن 2026، حيث يعد المسرح في مؤسسات التعليم العالي في سلطنة عُمان اليوم قطاعًا واضح المعالم لا يقل أهمية عن السياقات التعليمية الأخرى، إذ يسهم في صقل الشخصية الشبابية لتكون قادرة على الابتكار وتحويل الفرص إلى منجزات ملموسة ومتميزة.
في هذا السياق يتحدث ماجد بن مسعود العوفي، من جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بمسقط، الحاصلة على جائزة أفضل عرض مسرحي ثاني في المهرجان الجامعي رئيس فرقة آفاق المسرحية عن المسرح في مؤسسات التعليم العالي، كونه سفيرًا للوعي والهوية والرسائل الإنسانية الاجتماعية فيقول: تشكل الخطابات الثقافية والفنية والاجتماعية ضرورات تربوية وتعليمية، ومن ضمنها المسرح كونه خطابًا ثقافيًّا وفنيًّا واجتماعيًّا، فهو نمط من الخطابات التي تجسّد وسطا تربوياً، وله خاصية تتفاعل في سياق العلوم الإنسانية تفتح المزيد من المعارف والأفكار والرؤى المستقبلية تجاه قضايا البناء الأخلاقي والتربوي السليم للأجيال. وأضاف: لم يعد المسرح في الجامعات وكليات التعليم العالي محليًّا مجرد مساحة لعرض الجماليات الفنية أو تقديم العروض الترفيهية فقط، بل أصبح منصة فاعلة تعكس وعي الشباب، وتُجسّد طاقاتهم وإمكانياتهم الإبداعية والفكرية، وتسهم في تشكيل هويتهم بأسلوب معاصر؛ فالمسرح الجامعي اليوم يمثل حاضنة فكرية وثقافية، يلتقي فيها الإبداع مع الرسائل الاجتماعية والثقافية، وتُصاغ من خلالها قضايا المجتمع بلغة فنية قادرة على الوصول إلى الجمهور والتأثير فيه.
في السياق ذاته يتحدث تيمور بن يونس السلطي عن صقل الموهبة والتحول من الهواية إلى الاحتراف في ظل امتلاك أدوات فنية تتجاوز حدود الهواية، ويقول: بدأت رحلتي المسرحية من شغف بسيط بالفن، سرعان ما نما وازدهر داخل أروقة جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بمسقط، فكانت الأنشطة الطلابية والحلقات التدريبية المتخصصة تمثل نقطة تحوّل لا مثل لها فقد نقلتني من مجرد هاو إلى ملامسة عتبات الاحتراف، فقد وفرت لي هذه البيئة الأكاديمية فرصة مميزة للتفاعل المباشر مع تجارب فنية متنوعة، سواء عبر الحلقات العملية في مجالات التمثيل، أو تدريبات الأداء الصوتي والحركي، إلى جانب فهم أساسيات بناء الشخصية المسرحية وتحليل النصوص بعمق.
من جانبها تشير مزون الشملي أفضل ممثلة دور أول في المهرجان المسرحي إلى المسرح كمساحة إبداعية لاستثمار طاقات الشباب كونهم قادرين على رفد الصناعة الإبداعية في سلطنة عُمان بطاقات متجددة وتقول: يمثل المسرح بالنسبة لي مساحة حقيقية لاكتشاف ذاتي، واستثمار طاقاتي الإبداعية، فهي تجربة متكاملة أسهمت في بناء شخصيتي وصقل مهاراتي الفنية والإنسانية. وأرى أن تجربتي في المسرح كانت نقطة تحوّل مهمة جعلتني أكثر وعيًا بدوري كفنانة شابة قادرة على التأثير والمساهمة في تطوير المشهد الثقافي الشبابي في سلطنة عُمان.
وأضافت: من خلال مشاركاتي الأولى في المسرح، وتحديداً في الأعمال التي تناولت قضايا إنسانية عميقة أدركت أن المسرح ليس مجرد أداء، بل رسالة تحمل قيمًا ومعاني تعكس واقع المجتمع وتلامس وجدان الجمهور والمتفرج على حدٍ سواء، هذا الوعي الذي جعلني أتعامل مع كل دور أقدمه بمسؤولية كبيرة، وأسعى دائمًا لفهم أبعاد الشخصية وتحويلها إلى تجربة صادقة تصل إلى المتلقي.
كما تشير آية بنت محفوظ الخميسي الحاصلة على جائزة أفضل ممثلة في دور ثاني في المهرجان المسرحي إلى استشراف المستقبل وريادة المسرح الشبابي في سلطنة عُمان وتقول: استشراف مستقبل المسرح العُماني خلال السنوات القادمة يعتمد بشكل كبير على الشباب، لأنهم اليوم هم المحرك الأساسي للمسرح، خصوصًا في الجامعات والمبادرات الثقافية، نلاحظ في الوقت الحالي وجود طاقات شبابية تمتلك شغفًا واضحًا بالمسرح، وتسعى لتقديم أعمال تعبّر عن أفكارها وقضاياها، وهذا بحد ذاته مؤشر إيجابي على أن المسرح العُماني مقبل على مرحلة تطور ونمو.
ويتطرق محمد بن الحبشي المشايخي أفضل ممثل دور ثاني إلى المسرح كونه المساحة الأرقى الذي لا يكتفي باستيعاب طاقات الشباب، بل تحويلها إلى ابتكارات مدهشة تتجاوز حدود الخيال ويؤكد: كما قيل في المسرح دائماً وأبداً، أعطني مسرحاً أعطيك شعباً مثقفاً. منذ أن وطئت الأقدام على الخشبة السمراء لم تكن مجرد تجربة عابرة، بل بداية علاقة عميقة تشكّلت فيها ملامح الشغف، وبداية قصة ممثل يرى في هذه الخشبة عالماً أوسع من حدود الواقع. أصبحت الخشبة بالنسبة لنا المنزل الأجمل، والمكان الذي يواكب تطلعاتنا من مشاعر وأحاسيس، نعطيها من أرواحنا فتعطينا أضعاف ذلك، حتى غدت مع مرور الوقت جزءاً لا يتجزأ من تكويننا اليومي.