تُمثِّل التنمية عمليَّة إنسانيَّة شاملةً لا يمكن قياس نجاحها أو استدامتها بمعزل عن الإنسان ذاته، إذ يرتبط جوهرها بمدى حضورها في فكر الإنسان ووجدانه وسلوكه اليومي. فالتنمية، مهما امتلكت من أدوات وخطط وبرامج، تظل عاجزةً عن تحقيق غاياتها ما لم تجد الإنسان الذي يحمل ضمير المسؤوليَّة، ويؤمن بدوره في التغيير، ويعمل على إعادة بناء ذاته فكريًّا وقيميًّا وسلوكيًّا. ومن هنا، لتصبح التنمية معادلةً متوازنةً بين الفكر والممارسة، وبين القيم والواقع، تقوم على الأخلاق والمبادئ والمواطنة الصادقة. لذلك لا تكتسب التنمية قدرتها على التأثير في المنتج الإنساني إلَّا إذا استندت إلى ضميرٍ حيٍّ يوجهها نحو مقاصد الخير ومنابع الفضيلة، ويقودها إلى بَر الأمان. فالتنمية في حقيقتها صناعةٌ إنسانيَّة تؤسِّسها القيم، وتنهض بها الأجيال، وتتجدد من خلال التجربة ورُقيِّ الممارسة.
وعندما تتجذر التنمية في وجدان الإنسان، فإنها لا تكتفي بتحقيق النمو، بل تُسهم في تكوين موردٍ بشريٍّ يمتلك أدوات التنمية، ويؤمن بمبادئها، ويسخر طاقاته في الدفع بها قدمًا نحو المستقبل، باعتبارها أداة إصلاح، ومسار قوة، وركيزةً لبناء الوطن وسعادة المواطن. والمُجتمع الذي ينجح في إنتاج إنسانٍ فاعلٍ قادرٍ على صياغة مسار التنمية بروحٍ تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتدمج القيم والأخلاق والهُويَّات بأساليب الإنتاج الحديثة وأدوات العمل والتصنيع، هو المُجتمع الأقدر على تحقيق التنمية المستدامة. لذلك تتجلى قوة هذه المُجتمعات فيما تؤسِّسه من ثقافة الجودة والكفاءة والإتقان، وتعظيم قيمة الوقت، وتنويع مصادر الإنتاج، وصقل القدرات وبناء المهارات، بما ينعكس إيجابًا على شخصيَّة الفرد، ويعزز التزامه وانتماءه ومواطنته.
وعليه، فإن الحديث عن تكامليَّة وعمق العلاقة بين أخلاق المواطن واستدامة التنمية الوطنيَّة يضعنا أمام إرثٍ حضاري وتجربةٍ وطنيَّة ثريَّة امتدت لعقود طويلة، تأسست على مبدأ الربط بين القيم والأخلاق والتنمية والتطوير ونسق بناء الدولة العُمانيَّة، حيث شكَّل الرصيد الأخلاقي المتجذر في الهُويَّة والسَّمت العُماني عنصرًا حاسمًا في هذا التحول النوعي. فقد تشكلت الشخصيَّة العُمانيَّة على قيم التسامح والاعتدال والتعايش واحترام الآخر وحفظ الأمانة وتقديم المصلحة العامة. لذلك يبقى استحضار هذه القيم في السياق التنموي الطريقَ لتحويلها إلى أدواتٍ فاعلةٍ لحماية المال العام، والمحافظة على موارد الدولة واستثمارها وصون الممتلكات العامة والخاصة، وضمان استمراريَّة الخدمات، وترسيخ ثقافة المسؤوليَّة المشتركة بين المواطن والدولة. فالمواطن الذي تربى على احترام الموارد وعدم الإسراف، وعلى الالتزام بالقانون، وعلى أداء العمل بإتقان، هو مواطن يشارك تلقائيًّا في تحقيق الاستدامة. فهو لا يتعامل مع الطرق والمرافق والخدمات على أنها مكتسبات مجانيَّة قابلة للإهمال، بل يرى فيها جهدًا وطنيًّا يجب الحفاظ عليه. وهنا تتحول الأخلاق من قيمةٍ مجردةٍ إلى ممارسةٍ عمليَّة تسهم في إطالة عمر المنجزات التنمويَّة، وتقليل كلفة صيانتها، وتعظيم أثرها الاقتصادي والاجتماعي. ولذلك، لا نجد في المُجتمعات التي ترسخت فيها قيم الإنتاجيَّة والمسؤوليَّة والمهنيَّة والعدالة الوظيفيَّة أيّ توجهات تختزل التنمية في الأشخاص أو المصالح الضيقة، أو تفسرها وفق الحاجات الفرديَّة، أو تساوم عليها بمنطق الربح والخسارة، دون اعتبارٍ لحقوق الأجيال القادمة.
من هنا جاءت رؤية «عُمان 2040» لتعزز في أولويَّاتها ومستهدفاتها التنمويَّة البناء الفكري والأخلاقي للإنسان العُماني، باعتباره المنطلق الحقيقي للنهضة، ومرتكز هُويَّتها وخصوصيَّتها. وقد سعت الرؤية إلى الإجابة عن تساؤلٍ محوري يتمثل في كيفيَّة استفادة الإنسان العُماني من الرصيد الأخلاقي العميق الذي تميزت به الأرض العُمانيَّة، في بناء أخلاقيَّات الإنسان، وترقية ضمير المسؤوليَّة، وتعميق موقع الوطن في الذَّات، وتعزيز قيم التسامح والتعايش والحوار، لتتحول إلى ممارسةٍ واقعيَّة تسير على الأرض وتعمّر الحياة بإشراقاتها، في إطار توازنٍ دقيقٍ بين استحقاقات العمل المستقبليَّة وما تحمله من طموحاتٍ للأجيال وارتفاع سقف التوقعات، وبين استيعاب التراث والتاريخ والموروث الحضاري الذي يطبع سلوك الإنسان العُماني ويمنحه رصانةً في المبادئ وجمالًا في الانتماء.
كما أن حرص القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم على تأطير هذه القيم والأخلاق في نفوس النشء من خلال الأسرة، بقوله: «.. وسنواصلُ استلهامَ جوهرِ المبادئِ والقيمِ ذاتِها، في إرساءِ مرحلةٍ جديدةٍ، تسيرُ فيها بلادُنا العزيزةُ ـ بعونِ الله ـ بخطًى واثقةٍ نحوَ المكانةِ المرموقةِ التي نصبو إليها جميعًا»، تعبيرٌ راسخٌ عن قراءةٍ عميقةٍ لمفهوم الاستدامة التنمويَّة وتعظيم الأخلاق، الحافظ الأمين عليها، وصناعة نموذج المواطن الذي تحتاجه التنمية العُمانيَّة، لِمَا يُمثِّله التوازن بين طموحات الحاضر واستيعاب الموروث الحضاري من أهميَّة في تحقيق هذا التحول. فالسَّمت العُماني، بما يحمله من رصانةٍ في المبادئ، وجمالٍ في السلوك، واتزانٍ في القرار، يمنح التنمية بُعدًا أخلاقيًّا يحميها من الانحراف، ويصونها من الشخصنة، ويبعدها عن منطق المصالح الضيقة.
وبالتالي، فإن التنمية، بما تمتلكه من مقوِّماتٍ تقنيَّة وفضاءاتٍ مفتوحةٍ وموارد متنوعةٍ وإجراءاتٍ وتشريعاتٍ وقوانينَ ومؤسَّساتٍ لضمان التوظيف السليم للتنمية في بناء الدولة وتحقيق أولويَّاتها وغاياتها، مطالبةٌ بأن تضع الإنسان أمام واقعه المتغير، وأن تبصره بما يجب أن يمتلكه من قدرات، وما ينبغي أن يوظفه منها، مستفيدًا من برامجها وفرص اتساعها وشموليَّتها. كما أن قدرة التنمية على قراءة واقع الإنسان، وفهم آماله وطموحاته وأفكاره وطرائق تفكيره، تضعها أمام مسؤوليَّة أخلاقيَّة في ضبط المسار، وتوجيه الأهداف، وصقل المفاهيم، وتقنين الموارد، وبناء القدرات القادرة على نقل التنمية من حيز التخطيط إلى حيز التطبيق الواعي. حيث تبرز أهميَّة هذه الموجهات في تعزيز الشعور بالمسؤوليَّة، وبناء قيم التكافل والتعاون والتعايش المشترك، ونقل الإنسان من السلبيَّة إلى الإيجابيَّة، وتوجيه مسار تفكيره نحو ما يخدم مصالحه ومصالح الآخرين، في انسجامٍ مع مبادئ الفضيلة والعدالة والمساواة وروح القانون، وتوجيه مسارات التعليم والتشغيل والتدريب والإعلام نحو رسالةٍ إنسانيَّة شاملةٍ تحفظ للإنسان عقله وروحه وأرضه ووطنه ومنجزه الحضاري، وتجعله مدركًا لتحديات وجوده وأولويَّاته، فتتوافق تصرفاته مع مبادئ الحقِّ والعدل، وتصبح ممارساته ترجمةً حقيقيَّة لخطط التنمية وأطرها.
إن الاستثمار في الأخلاق، بذلك، استثمارٌ في استدامة التنمية وبناء الأوطان، وحين تعطي المُجتمعات للأخلاق مكانتها، فإنها تؤسِّس لنجاحها واستمرارها وتقدمها، وتبقي الإنسان محور التنمية وغايتها ووسيلتها، ليظل الوطن قويًّا بأبنائه، مستدامًا بقيمه، ومزدهرًا بإنسانيَّته. لذلك تستدعي المسؤوليَّة الأخلاقيَّة للتنمية اليوم عملًا أكثر احترافيَّة يقي الإنسان من الانحراف الفكري، ويحميه من الشائعات وخطابات الكراهيَّة، ويبعده عن الفساد والإفساد، ويعزز قيم القدوة والمراجعة الذاتيَّة، ويقلل الفجوة بين السياسات والممارسات. كما تضع الخطاب الديني أمام مسؤوليَّة التجديد والاعتدال، والتعليم أمام مراجعة أدواته ومناهجه، بما يضمن بناء أجيالٍ قادرةٍ على التعامل مع التحديات بروحٍ عصريَّة وثقافةٍ واعية. إذ تؤدي الأخلاق دورًا محوريًّا في تحويل المواطن من متلقٍّ للخدمات إلى شريكٍ في صنعها وحمايتها، بما يضمن وعيًا بمقاصد التنمية وغاياتها، وبناء الذَّات عبر التعليم النافع والبحث والتشخيص واستلهام المشترك الإنساني، بما يسهم في تجديد الذَّات ورُقيِّ الممارسة وإدراك فلسفة التغيير ومتطلبات العصر.
أخيرًا، تتجلى أولويَّة الإنسان العُماني في هذا الحراك الاقتصادي والتنموي في هدف الدولة المتمثل في تحقيق العيش الكريم للمواطن، ورفع مستوى وعيه وفكره ومهارته، وتعزيز أمنه واستقراره، وتمكينه من المساهمة الفاعلة في إدارة الحياة والتفاعل مع العالم. وما ركزت عليه، في سبيل تحقيق هذه الغايات، من سياساتٍ ونهجٍ وأُطرٍ تنظيميَّة وتشريعيَّة وتنفيذيَّة، رصدتها خطط التنمية الاقتصاديَّة الخمسيَّة، بما تستهدفه من صناعة الإنسان الواعي لمسؤوليَّاته، المحافظ على هُويَّته، المتفرد بخصوصيَّته. فإن استلهام أجيال عُمان لهذا المنجز الحضاري الإنساني، وقدرتهم على التعاطي معه بكل مهنيَّة، وتعميق روح التآلف مع كل مدخلاته، والتناغم بين عمليَّاته، وما ارتبط به من نهج الحوار والتعاون والشراكة والثقة المُجتمعيَّة، والتفاعل مع القضايا المطروحة، والتكامل المُجتمعي مع منظومات الدولة ومؤسَّساتها، لهو الكفيل بتحقيق شواهد عمليَّة على عمق المسؤوليَّة التي أصلّتها التنمية العُمانيَّة، فأصبحت بذلك نموذجًا راقيًا في البناء، ومدخلًا راسخًا في التطوير، ومنطلقًا متوازنًا لصناعة الإنسان العُماني الذي يحمل على عاتقه مسؤوليَّة تحقيق مستهدفات رؤية عُمان. ويبقى على منظومات الدولة ومؤسَّساتها وقياداتها المسارعة في رسم صورةٍ إيجابيَّة للمواطن في امتلاكه حسَّ التنمية، واستشعاره حجم التحول الذي تصنعه المؤسَّسات من أجله، حتى يكسب ثقتها ويعظِّم أثرها وينجز وعده لها، ويجد في تحقيق المنجز الوطني له مساحةَ أمانٍ وحبٍّ وسلامٍ واطمئنانٍ بأن هناك مَن يرعى حقوقه ويحافظ على مد خيوط التواصل معه، والتأكد من وصول أثر المنجز إليه؛ لأنه بذلك الغاية والهدف والوسيلة والأداة، وهو نتاج هذا التفاعل وشموخ هذا العطاء.
د.رجب بن علي العويسي