الأربعاء 20 مايو 2026 م - 3 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : «اقرأ».. مشروع وطني لصناعة الوعي

أضواء كاشفة : «اقرأ».. مشروع وطني لصناعة الوعي
الثلاثاء - 19 مايو 2026 10:27 ص

ناصر بن سالم اليحمدي

160

لو تأملنا زمننا هذا نجد أن السباق المحموم الحقيقي فيه هو التسارع على المعرفة؛ فنرى العقول وهي تتنافس على امتلاك أدوات الفهم والتحليل، وهو ما يبرز بشكل واضح على مواقع التواصل المختلفة التي أصبح كل مستخدم فيها يقوم بالتعبير عن رأيه بشكل عميق، وكأنه يمتلك كل أدوات المعرفة، وعلى دراية بما وراء الأخبار والنيَّات.

ولكن لو تغلغلنا في حقيقة الأمور، سنجد أن القراءة هي الفعل الأكثر عمقًا في تشكيل الوعي الإنساني، والنافذة الأوسع على العالم. ومن هذا المنطلق يأتي إعلان مركز السُّلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم عن إطلاق النسخة الخامسة عشرة من مسابقة «اقرأ» للناشئة لعام 2026م. وهذا الحدث ليس حدثًا ثقافيًّا عابرًا، بل يمكن اعتباره امتدادًا لمسار وطني راسخ يؤمن بأن بناء الإنسان يبدأ من بناء فكره، وأن الكلمة المقروءة هي اللبنة الأولى في صرح الوعي.

لا شك أن هذه المسابقة، في جوهرها، ليست مجرد منافسة بين طلبة في تلخيص الكتب أو استيعاب مضامينها، بل هي رحلة تربويَّة ومعرفيَّة متكاملة تعيد للقراءة مكانتها الطبيعيَّة في حياة الناشئة، وتغرس فيهم عادة التأمل لا الاستهلاك، والتحليل لا التلقي. فهي مشروع لصناعة القارئ الواعي القادر على تحويل المعرفة إلى سلوك، والفكرة إلى ممارسة، والكتاب إلى حياة.

إن هذه النسخة من المسابقة تتجلى أهميَّتها في تنوع مستوياتها العمريَّة والمعرفيَّة، حيث لم تترك القراءة للمصادفة أو الترف، بل صُممت وفق منهجيَّة دقيقة تراعي نمو الإدراك وتطور الوعي لدى الطلبة. فالمستوى الأول، مثلًا، يفتح الباب أمام طلبة الصفين الخامس والسادس لاكتشاف عوالم متعددة تمتد من آداب الحوار إلى الخيال العلمي، ومن الموروث العُماني إلى قضايا البيئة والإنترنت والغذاء الصحي ومواقف من السيرة النبويَّة وترشيد استهلاك المياه والكهرباء. وهي محاولة مبكرة لربط الطفل بالعالم من حوله دون أن يفقد جذوره، بل يغرسها بشكل أعمق في تربة الهُويَّة والانتماء.

أمَّا المستوى الثاني، فالتجربة تأخذ منحًى أكثر نضجًا، حيث يتوسع أفق القراءة ليشمل موضوعات تتصل بالحياة اليوميَّة والوعي الاجتماعي، مثل العمل التطوعي وريادة الأعمال والذكاء العاطفي والترابط الأسري، إضافة إلى قضايا التكنولوجيا الحديثة والهُويَّة الرقميَّة واستدامة البيئة والأمن الغذائي. وهنا لا يصبح الكتاب مجرد مصدر معرفة، بل يصير مرآةً تعكس الذَّات والمُجتمع والعالم، وتدفع القارئ إلى التساؤل لا الاكتفاء بالإجابة.

وفي المستوى الثالث يبلغ التحدي ذروته الفكريَّة، ويطالب الطلبة بعمل مقاربة قضايا أكثر تعقيدًا وعمقًا تتعلق بالمواطنة الرقميَّة والتعايش الديني ورؤية «عُمان 2040» والمدن الذكيَّة وإدارة الأزمات والكوارث والإدمان الرقمي، ونظام الوقف في سلطنة عُمان، والشائعات، ومهن المستقبل، وغيرها من الموضوعات التي تمنحهم مساحةً فكريَّة تدرب الناشئة على التفكير النقدي، وتضعهم أمام أسئلة المستقبل لا إجابات الماضي، وتهيئهم ليكونوا فاعلين في عالم سريع التحول لا مجرد متلقين له.

لا شك أن ما يميز هذه المسابقة أنها لا تقتصر على محتوى الكتب، بل تمتد إلى فلسفة أعمق تقوم على بناء مهارات التلخيص والتحليل والتفكير؛ أي تحويل القراءة من فعل صامت إلى ممارسة عقليَّة نشطة. فالقارئ هنا لا يكتفي بفتح الكتاب، بل يفتح معه أبواب الفهم ويغلق خلفه أبواب التشتت.

كما أن توزيع المسابقة على أحد عشر مركزًا في مختلف محافظات سلطنة عُمان يعكس رؤية شموليَّة تؤمن بأن المعرفة حق للجميع، وأن بناء جيل قارئ لا ينبغي أن يكون محصورًا في نطاق جغرافي أو اجتماعي. وهذه تُعَدُّ ديمقراطيَّة الثقافة في أبهى صورها، حيث يتساوى الجميع أمام الكتاب، ويتنافس الكل في ميدان الفكر.

إن «اقرأ» ليست مجرد مسابقة، بل مشروع وطني طويل النفس يعيد الاعتبار للكتاب في زمن الصورة السريعة، ويزرع في الناشئة يقينًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل ضرورة وجوديَّة. وهي بذلك تواصل نهجًا عُمانيًّا أصيلًا في رعاية الإنسان قبل أي شيء، وتؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من العقل، وأن الأمم لا تُبنى إلَّا حين تقرأ أولًا.

فمبادرة «اقرأ» الجميلة تنتشر في جميع الولايات والمحافظات تقريبًا، وآخرها تنظيم مكتبة قريات الأهليَّة العامة بولاية قريات لحفل تكريم الطلبة الفائزين في مسابقة «كأس اقرأ» في نسختها الرابعة، والتي تعكس اتساع أثر مبادرات تعزيز القراءة في المُجتمع وتكاملها مع مسابقة «اقرأ» التي ينظمها مركز السُّلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، إلى جانب مبادرات مشابهة تنفذها المكتبات الأهليَّة والمؤسَّسات الثقافيَّة في مختلف المحافظات. وهذا يؤكد الحراك الثقافي المتنامي، وأن دعم القراءة لم يَعُدْ نشاطًا محدودًا، بل أصبح مشروعًا وطنيًّا متكاملًا يسهم في ترسيخ عادة المطالعة لدى الناشئة وصناعة جيل واعٍ يمتلك أدوات المعرفة والتفكير والإبداع.

إن هذه المبادرة العظيمة تعمل على ترسيخ عادة القراءة بوصفها أسلوبَ حياةٍ لا مرحلةً عابرة، لتصنع من الناشئة قراءَ اليوم ومفكري الغد وحماةَ الوعي في مستقبلٍ تتسارع فيه التحديات، وتتعاظم فيه الحاجة إلى العقل المستنير.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني