الأربعاء 20 مايو 2026 م - 3 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : الاقتصاد الوطني يعزز توازنه المالي بثقة

الثلاثاء - 19 مايو 2026 03:24 م

رأي الوطن

160

حين ترتفع الإيرادات في دولةٍ نفطيَّة، يتَّجه التفكير مباشرةً نحو أسعار الخام وقفزات السوق العالميَّة. لكن الأرقام العُمانيَّة هذه المرَّة تقول شيئًا مختلفًا تمامًا؛ حيث ارتفعت الإيرادات العامة للدولة إلى نحو (2.985) مليار ريال عُماني خلال الربع الأول من عام 2026، بنسبة نمو بلغت (13) بالمئة، في وقتٍ يتحرك فيه متوسط سعر النفط عند (64) دولارًا للبرميل، وهو مستوًى بعيدٌ عن أسعار الطفرات النفطيَّة التي كانت تصنع الفوائض الماليَّة سابقًا. هذه الأرقام تكشف تحولًا مهمًّا داخل الاقتصاد العُماني يرتبط بكفاءة الإدارة الماليَّة وتعظيم العائدات وتحسين التدفقات النقديَّة؛ فنمو الإيرادات النفطيَّة بلغ (5) بالمئة، بينما سجلت الإيرادات العامة نموًّا أكبر بكثير، ما يعكس اتساع مساهمة مصادر أخرى في دعم الماليَّة العامة، وفي مقدمتها الغاز الذي قفزت إيراداته بنسبة (36) بالمئة، إلى جانب ارتفاع الإيرادات الجاريَّة وتحسن إدارة السيولة. والمشهد المالي الحالي يعكس اقتصادًا يتحرك نحو توازنٍ أكثر مرونةً وقدرةً على التعامل مع التقلبات العالميَّة بأدواتٍ أوسع وأكثر استقرارًا، مع استمرار الدولة في الإنفاق التنموي، ودعم القطاع الخاص، والحفاظ على استقرار الدَّيْن العام ضمن مستوياتٍ مستقرَّة.

إنَّ الارتفاع الواضح في إيرادات الغاز بنسبة (36) بالمئة حتى نهاية الربع الأول من العام الجاري يكشف أن قطاع الطاقة العُماني يشهد إعادة تموضعٍ اقتصاديَّة تتجاوز الصورة التقليديَّة المرتبطة بالنفط الخام، خصوصًا مع وصول إيرادات الغاز إلى نحو (593) مليون ريال عُماني، مقارنةً بـ(436) مليون ريال خلال الفترة نفسها من العام الماضي. وهي قفزةٌ تعكس اتساع أهميَّة الغاز داخل هيكل الإيرادات العامة، ودوره المتصاعد في دعم الاستقرار المالي وتمويل الإنفاق التنموي. كما تعكس في الوقت نفسه نجاح الاستثمارات المرتبطة بالبنيَّة الأساسيَّة للطاقة، والقدرة على الاستفادة من التحولات العالميَّة في أسواق الغاز والطاقة النظيفة والصناعات المرتبطة بها، وهو ما يمنح سلطنة عُمان مساحةً أكبر لبناء اقتصادٍ أكثر تنوعًا وقدرةً على تحقيق قيمةٍ مضافةٍ من مواردها الطبيعيَّة، خصوصًا مع التوسُّع في المشاريع الصناعيَّة واللوجستيَّة والهيدروجين الأخضر، والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة التي باتت تنظر إلى الغاز باعتباره عنصرًا استراتيجيًّا في معادلة النُّمو الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.

وتعكس أرقام الإنفاق العام خلال الربع الأول من عام 2026 أن الدولة تواصل التحرك بمنهجٍ اقتصاديٍّ يستهدف الحفاظ على النشاط التنموي وتحريك السوق، بالتوازي مع تحسين المؤشرات الماليَّة، بعدما ارتفع الإنفاق العام إلى نحو (3) مليارات و(10) ملايين ريال عُماني، بنسبة نمو بلغت (9) بالمئة مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو ما يكشف استمرار ضخ السيولة داخل الاقتصاد الوطني عبر المشاريع والمصروفات الجارية والدعم الاجتماعي وسداد مستحقات القطاع الخاص، حيث تجاوزت المدفوعات المسددة للقطاع الخاص عبر النظام المالي (362) مليون ريال عُماني، في خطوةٍ تحمل أهميَّة كبيرةً لحركة الشركات والتدفقات النقديَّة داخل السوق. كما تعكس المصروفات الإنمائيَّة البالغة (334) مليون ريال استمرار تنفيذ المشاريع الحكوميَّة وفق مسار إنفاقٍ نشطٍ، إلى جانب مواصلة دعم منظومة الحماية الاجتماعيَّة وقطاع الكهرباء والمنتجات النفطيَّة، وهو ما يمنح الاقتصاد المحلِّي قدرًا أكبر من الاستقرار، ويعزز قدرة القطاعات الاقتصاديَّة المختلفة على مواصلة النُّمو والتوسُّع خلال المرحلة المقبلة.

إنَّ استقرار الدَّيْن العام العُماني عند حدود (14.5) مليار ريال عُماني بنهاية الربع الأول من عام 2026 يحمل دلالاتٍ اقتصاديَّة تتجاوز الرقم نفسه؛ لأنه يعكس قدرة الماليَّة العامة على تحقيق توازنٍ حساسٍ بين استمرار الإنفاق التنموي، والحفاظ على مستويات مستقرَّة للدَّيْن في مرحلة تشهد فيها اقتصاداتٌ كثيرةٌ ضغوطًا متزايدة مرتبطة بالاقتراض وارتفاع كلفة التمويل عالميًّا. كما يكشف هذا الاستقرار نجاح النهج المالي الذي تتبعه سلطنة عُمان في إدارة الالتزامات وتعزيز الثقة الاقتصاديَّة داخليًّا وخارجيًّا، خصوصًا مع استمرار توجيه مخصصات لسداد الديون وتحسين المؤشرات الماليَّة، بالتوازي مع دعم النُّمو والإنفاق الاجتماعي والاقتصادي. هذه المؤشرات تمنح الاقتصاد العُماني صورةً أكثر قوةً أمام المستثمرين والمؤسَّسات الماليَّة الدوليَّة، وتعزز قدرة السلطنة على جذب الاستثمارات ورفع تنافسيَّة بيئة الأعمال، في وقتٍ أصبحت فيه المرونة الماليَّة والاستقرار الاقتصادي من أهم عناصر القوة في تقييم الاقتصادات، وقدرتها على التعامل مع التحولات العالميَّة المتسارعة.