ممَّا لا شك فيه أن ما تمرُّ به البيئة الأمنيَّة الدوليَّة الراهنة من صراعات شديدة التعقيد، وأزمات عسكريَّة وأمنيَّة تهدد الاستقرار والأمن الدوليين قد مرَّ عليها من قبل مرات عديدة ومختلفة، وإني على يقين تام بأن السنوات القادمة ستحمل بين جنباتها العديد من مثل هذا النوع من الأزمات والصراعات والحروب؛ لأن ذلك من طبيعة البيئة الأمنيَّة الدوليَّة، فالأصل في النظام العالمي الصراع والحرب، والاستثناء هو السلام.
من هذا المنطلق، فإن المفترض أن تعمل الدول في مختلف أرجاء العالم على الدفع باتجاه السلام والاستقرار، لا التأجيج وزيادة الصراعات والأزمات؛ فكل فتيل جديد يضاف إلى الكمِّ الهائل من الحرائق المشتعلة أصلًا على الصعيد الدولي، وفي مختلف أنحاء المعمورة، ليس إلَّا تأكيدًا جديدًا على أن البشريَّة متجهة إلى ما لا يُحمد عقباه، وأن الدول ـ لا شك ـ ستعاني العديد من المخاطر والتهديدات جرَّاء الآثار السلبيَّة الناتجة عن تلك الحروب والأزمات.
ولو عدنا قليلًا إلى التاريخ السياسي والعسكري، لوجدنا أن العديد من تلك الحروب والصراعات التي أفنت البشريَّة ودمَّرت الحضارة لم تشتعل إلَّا بفتيل سهل الاشتعال والتأجيج، مزيجٍ من العاطفة والاندفاع والعنجهيَّة واللاعقلانيَّة والغرور والرغبة في التوسع والسيطرة. وقد كان يمكن ببعض بُعد النظر والهدوء والتعقل والحكمة كبح جماح تلك الحروب التي أفنت البشريَّة ودمَّرت العمران والمَدنيَّة.
وكما تبيّن التجربة الإنسانيَّة، فإن نهاية حرب ساخنة أو باردة تخلق ظروفًا لحرب أخرى. وكما أوضحت لجنة من الباحثين في عِلم النفس، فإن ثمة جزءًا من كوننا بشرًا هو البحث الدائم عن عدوٍّ ليجسد، مؤقتًا أو دائمًا، جوانب ننكرها في أنفسنا، مثل الرغبة في الصراع والحرب وحب السيطرة والهيمنة، وقد يتم الدفع بالبعض نحو الحرب والصراع بطريقة أو بأخرى. ورغم ذلك، فلكل دولة من الدول التي دخلت الحروب والصراعات أسباب واقعيَّة وحقيقيَّة، أو أخرى من صناعة نفسها للحصول على مطامع ومصالح من تلك الحروب.
إذًا، الدول هي مَن تختار مصيرها، وتختار طريقها للبقاء أو الموت، والوسيلة التي ترغب أن تحيا أو تندثر بها، والمعيار الأخير للجبن والشجاعة، وللعقل والحكمة والجنون، هو النتائج التي تحققت على أرض الواقع، وكيف تمكنت تلك الدول من المحافظة على أمنها واستقرارها، والمحافظة على مصالحها. ولو فرضت الحرب على المرء دفاعًا عن الحق والواجب والشرف، فإنها تتحول إلى فرض حينها، ولا مجال للمناورة حول ذلك، ولكن المسؤوليَّة والواجب على معظم الدول أن تعمل على تقديم السلام والأمن، لا الدفع بالبشريَّة نحو الحرب والدمار.
ودائمًا ما أوجدت ساحات الصراع والحروب عبر التاريخ دولًا تتقدم ركب السلام، وأخرى تؤجج الصراع والحرب؛ دولًا تسعى لصناعة التوازنات حتى على أصوات المدافع والرصاص، وأخرى توسع من ساحات الموت والفناء، وكلا الطرفين لهما مصالح في ذلك. ومن جانب آخر، يجب الاعتراف بأن لكل من السلام والحرب فوائد معروفة، ولا مجال للمزايدة عليها، ولعلَّ أبرز مثال على ذلك نظريَّة الوظيفة الاقتصاديَّة للحرب.
على العموم، ما أودُّ أن أنهي به هذا المقال وأختصر به دور الحكمة والسلام، هو الدولة التي لا تصنع مصيرها فقط، بل لها دور واضح في صناعة مصير العالم بأسره، خصوصًا منطقة الشرق الأوسط خلال (56) عامًا؛ الدولة التي تدفع بالعالم باتجاه السلام والاستقرار والتوازنات، الدولة التي تحمل رسالة عالميَّة من الحريَّة والديمقراطيَّة وحقوق الإنسان في زمن الحروب والصراعات، إنها سلطنة عُمان، الوطن الهادئ المستقر، والقائد الحكيم في زمن الفوضى؛ حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق ـ أعزَّه الله ـ ما هما سوى امتداد لتاريخ سياسي من الحكمة والهدوء والعقلانيَّة التي أثبت التاريخ والنتائج صحتها.
ختامًا، أعيد كلمة قالها القائد المؤسِّس السُّلطان قابوس ـ طيَّب الله ثراه ـ قال: «ليعلم الجميع أن ليس لدينا مخططات أو نوايا عدوانيَّة ضد أحد، كما أننا لا نرفض صداقة أحد، بل نؤمن إيمانًا راسخًا بأن مستقبل هذا العالم يكمن في التعايش السلمي والتعاون البنَّاء بين البشريَّة جمعاء، وإننا لن نتوقف عن العمل لتحقيق هذه الغايات النبيلة، لكن عملنا من أجل السلام يقتضي أن تكون بلادنا قويَّة، وأن تظهر قدرتها على حماية ذاتها، ولقد أثبت التاريخ مرارًا وتكرارًا أن هذا هو المنطق الوحيد الذي يحترمه مَن تقودهم أطماعهم إلى تهديد السلام العالمي بالخطر، وإذا جاء اليوم ـ لا سمح الله ـ الذي يطلب منا أن نهبَّ للدفاع عن بلدنا ومبادئنا التي بها نعيش، فليعلم أولئك الذين قد يفكرون أو يحاولون الاعتداء علينا أننا سنواجههم بكل عزم وبسالة، وكأُمَّة واحدة مدججة بالسلاح».
محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
MSHD999 @