يُمثِّل إيجاد وظائف مستدامة خيارًا وطنيًّا لسلطنة عُمان في مواجهة تحديات التسريح الوظيفي للكفاءات العُمانيَّة وتقلُّبات سوق العمل، وهو هدف يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة الاقتصاد الوطني على النمو وتوليد فرص عمل مستقرة قادرة على التكيف مع المتغيرات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة. ذلك أن مسألة إنتاج الفرص الوظيفيَّة لا يجب أن يُنظر إليها في إطارها الكمي، من حيث أعداد الذين تستوعبهم هذه الوظائف فحسب؛ بقدر كونها علاقة نوعيَّة ترتبط بكفاءة السبب المؤدي لبقاء هذه الوظائف نشطة وفاعلة ومنتجة، لكي لا تفقد قيمتها والحاجة إليها عند أي ظرف أو أزمة اقتصاديَّة، بحيث تجد في هذه المعطيات والمستجدات فرصًا أكبر لنموها وتعظيم أثرها في المجتمع.
من هنا، فإن نقطة الانطلاق الرئيسة لتحقيق هذا الهدف تكمن في تحسين مستوى النمو الاقتصادي؛ باعتباره المحرك الأساس لإنتاج الوظائف الجديدة وخلق فرص عمل متنوعة ودائمة، واستقرار سوق العمل. وبالتالي، فإن أي توجُّه لخلق وظائف مستدامة يجب أن يبدأ من إعادة هيكلة سوق العمل وتطوير الاقتصاد عبر سياسات اقتصاديَّة أكثر استدامة تركز على رفع الإنتاجيَّة وتقليص الفجوة بين العرض والطلب، بما يضمن تنوع الفرص واستمراريَّتها. وعليه، فإن إجابتنا على التساؤل: كيف يمكن خلق وظائف مستدامة تقلل من إمكانيَّة فقدان العامل لوظيفته؟ ترتكز على أربعة موجِّهات رئيسة تشمل: الاقتصاد الإنتاجي، والاستثمار الأجنبي، والسياسات العماليَّة، والتعليم.
أولًا: تعظيم حضور الاقتصاد الإنتاجي
إن خلق وظائف مستدامة يتطلب التوجُّه نحو قطاعات إنتاجيَّة قادرة على استيعاب القوى العاملة الوطنيَّة، وفي مقدمتها الصناعات التحويليَّة التي تُعَدُّ من أكثر القطاعات قدرة على توفير فرص عمل مستقرة. وتشير المؤشرات الاقتصاديَّة إلى نمو الاستثمارات في هذا القطاع، إلا أن استمرار بعض حالات التسريح يثير تساؤلات حول مدى استفادة الشباب العُماني من هذه الاستثمارات، ومدى قدرتها على تحقيق الاستقرار الوظيفي المطلوب.
ومن هنا تبرز أهميَّة تمكين الكفاءات الوطنيَّة من إدارة وتشغيل سلاسل الإنتاج، بما يعزز حضور الشباب العُماني في القطاعات الصناعيَّة ويرفع من مستوى الاستقرار المهني. كما أن توطين الصناعات يمثل خيارًا استراتيجيًّا لتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، خصوصًا في ظل استمرار تصدير المواد الخام وإعادة استيرادها بعد تصنيعها من الخارج. ولذلك، فإن الاستثمار في الصناعات التحويليَّة وإدارة العُمانيين لها يمكن أن يسهم في استيعاب الباحثين عن عمل والخبرات الوطنيَّة المسرحة، وتحويل الاقتصاد نحو قطاعات أكثر استدامة وابتكارًا. كما أن تطوير الاقتصاد الإنتاجي يتطلب الانتقال من الاعتماد على الأنشطة التقليديَّة إلى اقتصاد يقوم على التصنيع والتقنيَّة والابتكار، بما يخلق فرصًا وظيفيَّة أكثر استقرارًا، ويعزز تنافسيَّة الاقتصاد الوطني في الأسواق الإقليميَّة والعالميَّة.
ثانيًا: إعادة تقييم وتفعيل أثر الاستثمار الأجنبي
مع النمو الملحوظ في حجم الاستثمار الأجنبي المباشر في سلطنة عُمان في السنوات الأخيرة، إلَّا أن التحدي الحقيقي يكمن في نوعيَّته ومدى قدرته على خلق وظائف مستدامة للمواطنين. فالاستثمارات المتجهة إلى العقار والبنية الأساسيَّة، رغم أهميَّتها في دعم التنمية، إلَّا أنها لا توفِّر فرصًا واسعة لتشغيل العُمانيين مقارنة بالقطاعات الصناعيَّة والإنتاجيَّة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة توجيه الاستثمار نحو الصناعات التحويليَّة والمشروعات التي تعتمد على تشغيل الكفاءات الوطنيَّة ونقل المعرفة والتقنيَّة. كما أن الاعتماد الكلي على الاستثمار الأجنبي لا يكفي لبناء اقتصاد وطني مستدام؛ لأن هذا النوع من الاستثمار يرتبط بتقلبات السوق والمصالح الاقتصاديَّة للشركات الكبرى، وقد يتأثر بالظروف العالميَّة أو بالأزمات الاقتصاديَّة. لذلك، فإن نجاح الاستثمار الأجنبي يجب أن يقاس بمدى مساهمته في بناء قدرات وطنيَّة قادرة على إدارة الإنتاج وتحقيق الاكتفاء وتعزيز التنافسيَّة. ويتطلب ذلك توجيه جزء من عوائد الاستثمار إلى التدريب والتأهيل، وربط الاستثمار بخطط واضحة للتعمين ونقل الخبرة والتقنيَّة، بما يضمن استدامة الوظائف وتقليل الاعتماد على العمالة الوافدة.
كما أن بناء اقتصاد وطني قوي يتطلب الاستفادة من المزايا الجيوسياسيَّة التنافسيَّة التي تمتلكها سلطنة عُمان، سواء في موقعها الجغرافي أو في قطاعاتها الواعدة، بحيث يتحول الاستثمار الأجنبي إلى شراكة حقيقيَّة تسهم في بناء قاعدة إنتاجيَّة وطنيَّة، وليس مجرد نشاط اقتصادي مؤقت.
ثالثًا: أنماط العمل والسياسات الاجتماعيَّة والعماليَّة
فرضت التحولات الاقتصاديَّة أنماطًا جديدة من العمل، مثل العمل المرن والعمل عن بُعد والعمل المؤقت والعمل لبعض الوقت، الأمر الذي يستدعي تطوير سياسات عمل متوازنة تجمع بين المرونة والأمان الوظيفي. كما تبرز أهميَّة الاستفادة من مبادرات التوظيف التي تستهدف الباحثين عن عمل والمسرَّحين، مع ضرورة تطويرها لتوفير حماية اجتماعيَّة واستقرار مهني أكبر.
ويقتضي تحقق ذلك رفع الوعي العمالي بالحقوق والإجراءات القانونيَّة المتعلقة بعقود العمل، إلى جانب تحفيز المؤسسات الاقتصاديَّة على توفير وظائف أكثر استقرارًا للقوى العاملة الوطنيَّة. كما يُشكِّل دعم العمل الحر وريادة الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة أحد المسارات المهمة لتعزيز استدامة الوظائف، خصوصًا إذا رافقه تبسيط للإجراءات وتسريع للتراخيص وتوفير بيئة تنظيميَّة مرنة تشجع الشباب على الدخول في المشاريع الإنتاجيَّة والابتكاريَّة. ذلك أن تعزيز ثقافة العمل الحُر وتنمية ريادة الأعمال يفتح المجال أمام الشباب لخلق فرصهم الخاصة، ويسهم في تنويع الاقتصاد، وتقليل الضغط على الوظائف التقليديَّة، مع أهميَّة وجود تكامل بين الأنظمة الاقتصاديَّة والتمويليَّة والتسويقيَّة والتشريعيَّة والضبطيَّة بما يضمن استمراريَّة هذه المشاريع وقدرتها على النمو.
على أن استدامة الوظائف تتطلب تحقيق توازن حقيقي بين احتياجات سوق العمل وحقوق العاملين، بحيث تتمكن المؤسسات من التكيُّف مع التغيُّرات الاقتصاديَّة دون أن يتحمل العامل وحده تبعات تلك التغيُّرات. ولذلك، فإن تطوير التشريعات العماليَّة، وتعزيز أنظمة الحماية الاجتماعيَّة في إطار الأمان الوظيفي يُمثِّلان عنصرين أساسين في بناء سوق عمل أكثر استقرارًا.
رابعًا: دور التعليم في دعم استدامة الوظائف
يُشكِّل التعليم عنصرًا أساسًا في صناعة وظائف مستدامة، عبر تخريج متخصصين يمتلكون المهارات وقيم العمل والإنتاجيَّة، والقدرة على التكيُّف مع متغيرات السوق. وهنا تأتي أهميَّة تطوير منظومة التعليم بما ينسجم مع احتياجات الاقتصاد والثورة الصناعيَّة الرابعة، خصوصًا ما يتعلق بالتعليم المهني والتقني وإعداد كوادر قادرة على الاندماج المبكر في سوق العمل، مع أهميَّة تنويع المسارات التعليميَّة منذ المراحل الدراسيَّة المبكرة (بعد الصف التاسع من التعليم الأساسي)، بما يساعد الطلبة على اكتشاف ميولهم المهنيَّة، وبناء مستقبل وظيفي مستقر. كما أن إعادة هيكلة التخصصات الجامعيَّة وتوجيهها نحو القطاعات الواعدة أصبح ضرورة لتقليل الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق. هذا الأمر يتطلب أيضًا تعزيز التدريب العملي والتطبيقي، وتنمية المهارات التقنيَّة والناعمة، بما يُمكِّن الخريجين من التكيُّف مع بيئة العمل الحديثة. ويقع على عاتق مؤسسات التعليم والتدريب والقطاع الخاص مسؤوليَّة بناء شراكات فاعلة لتطوير البرامج التدريبيَّة وربطها باحتياجات السوق الفعليَّة.
كما أن التوسع في التخصصات المرتبطة بالاقتصادات الواعدة، مثل السياحة والطاقة المتجددة والاقتصاد الأخضر واللوجستيَّات، يمكن أن يسهم في خلق فرص عمل أكثر استدامة وتنافسيَّة. وكلما نجحت مؤسسات التعليم في تقديم نماذج تطبيقيَّة تحاكي الواقع، وتعزز ثقافة العمل والإبداع والابتكار، زادت قدرة القطاع الخاص على تحقيق أهدافه بكفاءات وطنيَّة مؤهلة. وفي الوقت نفسه، فإن التكامل بين التعليم وسوق العمل يسهم في بناء منظومة تشغيل أكثر كفاءة، تقوم على فهم احتياجات القطاع الخاص وتوجيه التعليم نحو إنتاج مهارات قادرة على التعامل مع التطورات التقنيَّة والمهنيَّة الحديثة. وهذا يتطلب استقراءً مستمرًّا للتحولات الاقتصاديَّة والتخصصات المطلوبة، بما يجعل التعليم أداة رئيسة في صناعة التحول الاقتصادي.
أخيرًا، يبقى تحقيق هدف بناء وظائف مستدامة مرهونًا بتكامل الجهود وتفاعل الأُطر واستشعار كل القطاعات لهذه الأولويَّة؛ فإن بناء وظائف مستدامة بحاجة إلى خطوات جادَّة، وقناعة صادقة، واعتراف أكيد بموقع الكفاءة الوطنيَّة في سوق العمل، وعبر منظومة متكاملة تعزز الاقتصاد المنتج والمتنوع، والاستثمارات النوعيَّة، ودعم ريادة الأعمال، ومواءمة التعليم مع احتياجات السوق، وسياسات متوازنة تشريعيَّة وتنظيميَّة مرنة وجاذبة ترفع من سقف حضور المواطن ومشاريع الشباب في ميدان المنافسة الاقتصاديَّة، وتوظف الحوار الاجتماعي مع الشباب الباحثين عن عمل والمسرَّحين، والشركاء، وأصحاب الأعمال، ومزودي الخدمة، والمستهلكين في الوصول إلى قرارات استراتيجيَّة داعمة، وتضع حدًّا لتداعيات الاحتكار والإفلاس والتجارة المستترة والاستثمارات الوهميَّة؛ إذ من شأن هذه العوامل مجتمعة توفير الوظائف، والإسهام في استقرارها واستمراريَّتها، وتقليل مخاطر فقدانها، بما يعزز من استقرار سوق العمل، ويؤسس لاقتصاد أكثر قدرة على مواجهة التحديات المستقبليَّة.
د.رجب بن علي العويسي