الخميس 21 مايو 2026 م - 4 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

«قراءة بلاغية تربوية فـي بعض آيات الحج» «2»

الأربعاء - 13 مايو 2026 02:26 م
10


.. واستعمال (فيهن) هنا رغم جمودها، وعدم تعقلها، لكنه جاء بها كأنها عاقلة:(فيهن) فمن المفترض أن يقال: «فمن فرض فيها الحج..»، لكن القرآن الكريم عاملها معاملة العاقلات، الواعيات، الفاهمات، المدركات، وذلك يشي بعظمتها، وعلو مكانتها، وسمو قدرها عند ربها، فرغم أنها أشهر(لا تعقل)، إلا أنه عاملها معاملة العقلاء، فجاء بضمير العاقلات:(هن)، وهو كناية عن تقدير تلك الأشهر، وأنها تعقل من يطيع الله فيها، وتجله، وترفعه إلى ربها، ذاكرة له تبجيل صاحبها لنلك الفريضة، وأنه قد قام بها خير قيام، ونهض لها أزكى نهوض، وفعلها خالصًا، مخلصًا من قلبه لربه، وأداها وفي باله ربه، وفي ذهنه مولاه، وإلهه، وحبيبه، فجاءت محققة غاياتها، مؤدية كلها ما يجعلها مستجابة، ومقبولة عند الله رب العالمين.

وقوله:(الحج): مفعول الفعل، وكرره لأنه محبوب في الأرض، والسماء، ولأن صاحبه قد بكى لله كثيرًا أن يرزقه حج بيته الحرام، وزيارة مسجد نبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ وحمله على يدي رحمته، واستدعاه بمنه، وفضله، وشمول رحمته إلى بيته، واستضافه في رحاب حرمه؛ لينهض بعبادته، ويقوم بنسكه، والله يختص ما يشاء بمن يريد.

و(مَنْ) هنا شرطية، وجملة الشرط هي (فرض فيهن الحج)، ويأتي جواب الشرط بالجملة الاسمية التي تفيد ثبات، وثبوت، واستمرار الحكم الفقهي، وازلية المعنى الدلالي، إلى نهاية العمر، وجملة (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) هي جملة جواب الشرط في محل جزم، وخبر المبتدأ (من) هو جملة الشرط، أو جملة الجواب، والأدق أن يكون كل من الشرط والجواب في محل رفع خبر المبتدأ، ويظل الحكم ـ بهذه الجملة الاسمية ـ هذا ساريًا طوال عمر الدنيا كلها، فلا يجوز لأي إنسان تغييره، ولا تعديله، ولا تبديله.

وقوله: «فلا رفث» الرفث هو مقدمات الجماع مع الزوجة، وهذا ـ وإن كان حلالًا في غير زمن الحج ـ فهو حرام في تلك الأوقات القليلة من أوقات الحج التي يتعلم فيها الحاج قيم الحياة، ويتعلم كيفية الصبر، ومنزلة الصابرين، والصمود في أحلك الفترات، وأشدها احتياجًا إلى الزوجة، والحياة معها، وقضاء الوتر، وتلبية نداء الفطرة، لكن في الحج لا مقدمات، ولا كلمة تقال فيه هذا الوقت، بل إمساك عن حظوظ النفس، ومطالب الجسد، والتعالي على ذلك، وبناء كل سبل العزم، والرجولة، والقدرة على التحمل حتى انتهاء أعمال الحج الأساسية، والتحليق للشعر، ذكرًا كان أم أنثى، قويًّا كان أم ضعيفًا.

فمطلق «الرفث»، وكل كلماته، وألفاظه، ولو بالإشارة، وخفي العبارة لا يجوز في هذا الوقت من أعمال الحج هنا فعله؛ لأنه يفسد الحج، وينسيه أفضل، وأكبر غاياته، وهو تعليمه مكانة الصبر، وتعاليه عن الأعمال التي كانت حلالًا، وستكون حلالًا بعد أيام قلائل، لكن علمتنا العزم، وأن نتمكن من تطويع النفس لمولاها، وطاعته، وعزمها على النهوض بالرجولة، والحزم، والعزم، ولو كان ذلك ضد ذاته، ويخالف مطلوب جسده، ويخالف طبيعته، ويباين فطرته.

فالرفث هنا اسم (لا) النافية التي تعمل عمل (إن)، ومعناه نفي الخبر عن جنس الاسم، أي نفي كل ألوان الرفث جميعًا عن قلب المؤمن، ونفض حظ النفس منها، وحاجتها إلى الراحة، والسكن، وإلحاح نفسه عليه في فعل كل ألوان الرفث مع زوجته، لكن ذلك بحكم، ومنطوق، وإعراب لفظ (رفث)، فهي كلمة منكرة، مبنية على الفتح، في محل نصب اسم (لا)، وحذف خبرها للعلم به، وتقديره (فلا رفث حاصل، أو يكون، أو يعمله الحاج في يومه، ونهاره، وليله)، فهو هنا في هذا الوقت غير مباح، ولا يجوز، وإلا فسد الحج، وانقضى، فـ(لا) النافية للجنس أفادت ذلك كله، والآية كناية عن ترك كل متع الدنيا، ومقاربة المرأة في ذلك التوقيت، قبل انتهاء أركان الحج الكبرى.

وقوله: «ولا فسوق» بـ(لا) النافية للجنس، أي: لا وجود لأي لون من ألوان الفسوق، مهما كانت صغيرة، أو كبيرة، كله هنا لا يجوز؛ لأن الفسوق هو الخروج عن آداب القرآن الكريم، وأخلاقياته.

فالجملة فيها كناية عن عدم الاقتراب من الفسوق بكل ألوانه؛ مما يضفي على الشعيرة المباركة ألوان الهدوء، وأصناف السكينة، وأطياف الراحة، وعدم رفع أصوات بالشتم، أو التجريح، أو ذكر مساوئ أحد مهما كانت عداوته، وهو كذلك كناية عن عفة اللسان، وصون الجنان، وسمو الإنسان مع أخيه الإنسان، وخبر(لا) النافية للجنس محذوف؛ للعلم به، أي: فلا رفث حاصل، ولا موجود، ولا كائن، ولا اقتراف له من أحد؛ لان زمن، وأعمال الحج لا تتحمل مثل تلك الأخلاق المتدنية، فقد جاء الحج للاعتلاء بالنفس فوق سفاسف الأمور، والرقي بها إلى عظمة الأمور، واهتمامها بكبائر الأعمال، وجلائل الأقوال والأفعال، وكمال الامتثال، وترك حظوظ النفوس من الفسوق، والاقتتال، مهما كانت الظروف الأحوال، فلا مجال لأي فسوق كان.

وقوله: «ولا جدال في الحج» (لا) هنا أيضا نافية للجنس، ومعنى ذلك أنه ممنوع منعًا باتًّا الخوض في أي جدال، أو إضاعة وقت الناس في حوارات، ولقاءات لا جدوى منها، ولا ثمار لها، إلا الحسرة، وتقطيع أواصر المودة، وعلائق القربى، والمحبة، وإعطاء الآخر الظهر لأخيه، وقطع العلاقات.

د.جمال عبدالعزيز أحمد 

 كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية

[email protected]