الخميس 14 مايو 2026 م - 26 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

الحج.. منحة ربانية للأمة الإسلامية «2 ـ 2»

الأربعاء - 13 مايو 2026 02:27 م

الصحبة الصالحة فـي الحج ليست مجرد رفقة سفر، بل هي بيئة إيمانية متنقلة

أجرى الحوار ـ مبارك بن عبدالله العامري : 

ماذا تقول للمسلم الذي تتوفر لديه الصحة والمال ويقضي أسفاره السياحية في عدة أماكن ويؤجل الحج من عام إلى عام؟

أقول لهذا الأخ الحبيب: إن الحج في زماننا هذا لم يعد مجرد قرار تملكه وقتما تشاء، بل هو «فرصة تاريخية» قد لا تطرق بابك إلا مرة واحدة في العمر، وإننا نعيش واقعًا جديدًا تحكمه أنظمة التصاريح، وتحدده الحصص العددية، مما يجعل الحصول على «مقعد» في قافلة الحجيج بمثابة فوز عظيم ومنحة ربانية لا يجوز التفريط فيها أو إخضاعها لمنطق التأجيل المستمر إن تقديم الأسفار السياحية على فريضة الحج مع توفر الاستطاعة، يعكس خللاً في «فقه الأولويات»، فالسياحة ترويح متاح في كل وقت، أما الحج فهو ركن واجب وشعيرة موقوتة بضوابط لم تعد تسمح بالتسويف، وكيف يطمئن قلب المسلم وهو يطوف أرجاء الأرض يمينًا وشمالًا، ولم يطُف بعد بالبيت الذي جعله الله مثابة للناس وأمنًا؟!.

إن الصحة والمال أمانتان يطالبنا الله بشكرهما، وأفضل شكر للنعمة هو توظيفها في أداء الفريضة قبل أن يعرض للإنسان عارض من مرض أو فاقة، أو يدركه تعقيد في الإجراءات يمنعه من الوصول. رسالتي لكل مستطيع: بادر ما فتح الله لك الباب، واجعل رحلة العمر هي «الأولوية القصوى»، فالحج مبرة لا تعدلها متعة، وذكرى لا يمحوها سفر، واعلم أن الندم على فوات الفرصة حين ينغلق الباب مريرٌ لا تداويه كل رحلات الدنيا.

الصحبة الصالحة هي المعينة المباركة لكل مسلم وخاصة أيام الحج، نرجو أن توضح للحاج ما لهذه الصحبة من تمييز وخاصة أثناء أداء مناسك الحج؟

يُقال في الأمثال السائرة: «الرفيق قبل الطريق»، وفي رحلة الحج تتجلى حقيقة هذا المثل بأبهى صورها؛ فالصحبة الصالحة في الحج ليست مجرد رفقة سفر، بل هي «بيئة إيمانية متنقلة» تحمي الحاج من فتور الهمة وتعينُه على مشاق الطريق. إن تميز الصحبة الصالحة في الحج يظهر في ثلاثة جوانب أساسية: الجانب الأول هو «التعليم والمذاكرة»؛ فالحج عبادة فيها تفاصيل دقيقة، والصاحب الصالح هو الذي يذكرك بسنة غابت عنك، أو ينبهك إلى خطأ قد يقع فيه غيرك، فتصبح الرفقة مدرسة عملية للتفقه في الدين، مما يضمن بإذن الله أن يكون الحج على الوجه الأكمل الجانب الثاني هو «الدعم النفسي والبدني»؛ فالحج رحلة بدنية شاقة، وفي لحظات الزحام أو التعب قد يدرك الإنسان الضيق أو نفاذ الصبر، وهنا يأتي دور الصاحب الصالح بكلمته الطيبة، وابتسامته الواثقة، ويد المساعدة التي يمدها لإخوانه، وهذه الروح تبث في النفس السكينة، وتحول المعاناة إلى ذكريات جميلة، وتجعل من شعار «الإيثار» واقعًا معاشًا، حيث يقدّم الحاج راحة أخيه على راحة نفسه الجانب الثالث والأهم هو «شحذ العزم على الطاعة»؛ ففي تلك العرصات الطاهرة، الصاحب الصالح هو من يقطع عليك فضول الكلام ليفتح لك باب الذكر، وهو من يشجعك على قيام الليل أو البقاء في المسجد للتلاوة، وإن رؤية الصالحين وهم يتنافسون في الخيرات تحفز النفس البشرية على العطاء وتطرد عنها الكسل إن الصحبة المباركة تحول رحلة الحج من عمل فردي إلى «ملحمة إيمانية جماعية»، تذوب فيها الأنانية، وتسمو فيها الأرواح، ويخرج منها الحاج وقد اكتسب إخوة في الله تظل ذكراهم وعلاقتهم محفورة في القلب، فربَّ صاحبٍ في الحج كان سبباً في قبول العمل، وربَّ دعوةٍ صالحة بظهر الغيب من رفيق درب كانت هي المنجية.

الصبر خصلة عظيمة في حياة المسلم كيف يطبق الحاج هذه الخصلة وهو يؤدي مناسك الحج وما يعانيه من بعض الأحوال التي قد تحصل له؟

الحج هو «مدرسة الصبر الكبرى»، والصبر فيه ليس مجرد تحمل، بل هو عبادة وترقٍّ إيماني، وينبغي أن يطبق الحاج هذه الخصلة، أولاً بالصبر على «طاعة الله» والالتزام بالمواقيت والمناسك رغم مشقة الزحام وحرارة الجو، وثانيًا بالصبر عن «المعصية» بكظم الغيظ وترك الجدال مع الرفقاء أو القائمين على الخدمة، وثالثًا بالصبر على «أقدار الله» فيما قد يواجهه من تعب بدني أو تأخر في حافلة أو نقص في مرفق، وإن الصبر الجميل في الحج هو الذي يحول المشقة إلى أجر، ويجعل النفس مطمئنة راضية، متمثلة قول الحق سبحانه: «فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج».

استغلال الوقت الثمين في تلك العرصات الطاهرة من أعظم الأمور ما النصيحة التي توجهها للحاج حتى لا يترك لحظة بدون ذكر وتدبر وخشوع وهو يعيش في أفضل وأعظم الديار؟

نصيحتي لكل حاج: استشعر أنك في «خلوة مع ملك الملوك» وسط الملايين، فاجعل وقتك وقفًا على ذكره، حيث إن الوقت في الحج ليس ملكاً لك لتضيعه في فضول الكلام أو الانشغال المبالغ فيه بالهواتف ووسائل التواصل، وقسّم وقتك بين أذكار الصباح والمساء، وتلاوة القرآن، والتأمل في عظمة المشاعر، وتذكر أن اللحظة التي تمضي في تلك البقاع لا تعوض بكنوز الدنيا، فكن «شحيحًا» بوقتك إلا فيما يقربك من الله، واجعل لسانك رطبًا بذكر الله في غدوك ورواحك.

بعد أن يعود الحاج إلى أهله وطنه لا بد أن يعيش حياة جديدة مختلفة عن الحياة السابقة كلمة أخيرة تذكر بها الحاج الكريم؟

كلمتي الأخيرة لكل حاج: إن علامة «الحج المبرور» هي أن تعود بغير القلب الذي ذهبت به، فالحج ليس «لقبًا» تزيّن به اسمك، بل هو «عهدٌ جديدٌ» تزيّن به أخلاقك، اجعل من حجك منطلقاً للتغيير في تعاملك مع أهلك، وفي إتقانك لعملك، وفي صدقك مع ربك، إنك قد غسلت صفحتك من الخطايا، فإياك أن تسودها بالعودة لما كنت عليه من تقصير، وكن «نوراً» يمشي في الناس، وبشرى لمن حولك، ولتظهر بركات الحج في سمتك وتواضعك وبذلك للخير، فآثار الحج المبرور تبرز حين نغادر مكة.

كاتب عماني