أيها القراء الكرام.. واستكمالًا لما بدأناه من رحلة الحج التي بدأت بالنداء تمر بأنهار من الشوق، وها هي تنتهي باللقاء، بداية من الطريق إلى البيت الحرام حين يشرع الحاج في السفر إلى بيت الله الحرام، تتداخل فيه المشاعر بالرموز، والواقع بالمعنى، والتلبية بنطق القلب مع اللسان، وتهليل الجوارح مع المهللين، فالطريق إلى البيت رحلة تتجلى فيها معاني التجرّد من الدنيا، والانفصال عن السفر المألوف، والانتقال إلى فضاء آخر تحكمه قداسة المكان والزمان، كيف لا؟! وهي لحظة عبور من عالمٍ حسي بحياةٍ يوميةٍ مزدحمةٍ بالهموم، تتنافس فيه الشهوات، وتتقاتل فيه الرغبات، إلى عالم آخر لا رفث فيه ولا فسوق، قال تعالى:(ٱلحَجُّ أَشهُر مَّعلُومَات فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلحَجِّ) (البقرة ـ 197)، عالم تحكمه حياةٍ مقدسةٍ تتسع للروح وتحرّرها من أثقالها، ولم لا؟!، والطريق إلى البيت يكشف عن وحدةٍ إنسانيةٍ نادرة، فقد بدأ الحاج يجمع لها نفسه بتهيئة قلبه ويستعد لترك ما اعتاد عليه من أهلٍ ومالٍ ووطن قبل أن بجمع متاعه، كل خطوةٍ يخطوها في طريقه هي بمثابة إعلانٌ عن استعدادٍ كامل لبذل الغالي والنفيس ابتغاء رضى الرحمن، قال تعالى:(... ذَلِكَ بِأَنَّهُم لَا يُصِيبُهُم ظَمَأ وَلَا نَصَب وَلَا مَخمَصَة فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـؤونَ مَوطِئا يَغِيظُ ٱلكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِن عَدُوّ نَّيلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَل صَلِحٌ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجرَ ٱلمُحسِنِينَ، وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَة صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة وَلَا يَقطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم لِيَجزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحسَنَ مَا كَانُواْ يَعمَلُونَ) (التوبة 120 - 121)، فكل ميلٍ يُقطع هو ميلٌ يُضاف إلى رصيد الروح، وكل تعبٍ يُعانيه الحاج هو جزء من التزكية التي ينالها قلبه.
الطريق يصبح مدرسةً يتعلّم فيها الحاج الصبر، ويتدرّب على التواضع، ويختبر معنى الأخوّة الحقيقية، ولعل أجمل ما في الطريق أنّه يذكّر الحاج بأنّ الحج ليس غايةً في ذاته، بل هو وسيلةٌ إلى الله، فحين يرى الحجيج يتوافدون من كل مكان، يدرك أنّ البيت الحرام ليس ملكًا لأحد، بل هو بيت الله الذي يجمع عباده جميعًا، ويستقبلهم بلا تفرقة. بهذا يصبح الطريق إلى البيت رمزًا للطريق إلى الله، حيث يسير الإنسان بخطواتٍ متواضعة، لكنه في الحقيقة يسير نحو لقاءٍ عظيم، لقاءٍ يغيّر حياته ويجدد عهده مع ربّه، فالحاج حين يودّع أهله، يشعر أنّه يودّع الدنيا بأثرها، وحين يركب وسيلة السفر، يشعر أنّه يركب سفينة النجاة، وكل محطةٍ يصلها هي تذكير بأنّ الحج هو رحلة العمر التي يختصر فيها معنى الحياة.
وحين يقترب من مكة، يشعر أنّه يقترب من الموعد الذي طال انتظاره، حيث يتوافد الحجيج من كل فجٍّ عميق، يحملون لغاتٍ مختلفة وألوانًا متعددة، الجميع من كل صوبٍ وحدبٍ لكنهم جميعًا يتوحّدون في مقصدٍ واحدٍ، يعبدون ربنا واحدًا يدعونه ويناجونه، يلبون تلبية واحدة ويقومون بأعمال واحدة، حقًّا!! إنّها ملحمة إنسانية يمكن أن اسميها «الوحدة مع التنوع»، حيث يذوب الفارق بين الغني والفقير، وبين العربي والعجمي، وبين الأبيض والأسود، ليصبح الجميع ضيوفًا على الله، تراهم متساوين في لباس الإحرام، متشابهين في الدعاء، متقاربين في المشاعر ـ سبحان الله ـ لاشك أن هذا المشهد يذكّر الإنسان بأنّ الحج تجربة جماعية سنوية تُعيد للأمة وحدتها وتوحيد كلمتها، وتذكّرها بأنّها جسد واحد مهما تفرّقت بها الأوطان، قال تعالى:(وَٱعتَصِمُواْ بِحَبلِ ٱللَّهِ جَمِيعا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَٱذكُرُواْ نِعمَتَ ٱللَّهِ عَلَيكُم إِذ كُنتُم أَعدَاء فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُم فَأَصبَحتُم بِنِعمَتِهِ إِخوَانا) (آل عمران ـ 103)، فلا مسافةٍ جغرافية، ولا لغات مختلفة، ولا ألوان متعددة تفرق هذه الوحدة، إنّها لحظة يتعرّى فيها الإنسان من كل امتيازاته، ويقف جنبًا إلى جنب مع إخوانه، لا يميّزه عنهم إلا ما يحمله في قلبه من إخلاصٍ وتقوى، قال تعالى:(يا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقنَاكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلنَاكُم شُعُوبا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ ٱللَّهِ أَتقَاكُم إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير) (الحجرات ـ 13)..
وللحديث بقية.
د.محمود عدلي الشريف