الخميس 14 مايو 2026 م - 26 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

الأمن الغذائي جزء من السيادة الاقتصادية

الأمن الغذائي جزء من السيادة الاقتصادية
الأربعاء - 13 مايو 2026 10:53 ص

جودة مرسي

30

تنظر سلطنة عُمان إلى الأمن الغذائي باعتباره جزءًا من السيادة الاقتصاديَّة، وليس مجرد ملف زراعي تقليدي، كما أن هناك محاولةً واضحةً لتحويل القطاعات الزراعيَّة والسمكيَّة إلى محرك اقتصادي واستثماري طويل المدى ضمن مرحلة ما بعد النفط. وقد بدا ذلك واضحًا من خلال قراءة مستقبليَّة لاستضافة مجلس الشورى، الأحد الماضي، في جلسته الاعتياديَّة من دور الانعقاد العادي الثالث من الفترة العاشرة، لمعالي الدكتور سعود بن حمود الحبسي، وزير الثروة الزراعيَّة والسمكيَّة وموارد المياه؛ ليكشف أن الحكومة تتحرك في اتجاه أوسع من مجرد «زيادة الإنتاج الزراعي والسمكي»، الذي شهد نموًّا بمعدل (6.9%) خلال عام 2025، بل نحو بناء منظومة أمن قومي اقتصادي وغذائي متكاملة، خصوصًا في ظل الاضطرابات العالميَّة وسلاسل الإمداد والتغيرات الجيوسياسيَّة في المنطقة، حيث إن الأمن الغذائي أصبح ملفًّا استراتيجيًّا لا قطاعيًّا، ممَّا يعكس انتقال سلطنة عُمان من فكرة «دعم الزراعة» إلى فكرة «إدارة المخاطر الوطنيَّة». فالأمن الغذائي اليوم مرتبط بعدة عوامل، منها: أسعار الطاقة والشحن، والحروب الإقليميَّة، والتغير المناخي، واضطرابات التجارة العالميَّة؛ ولهذا ركزت الوزارة على رفع نِسَب الاكتفاء الذَّاتي، وتعزيز المخزون الاستراتيجي، وتوسيع الاستثمارات الزراعيَّة والسمكيَّة، وتحسين سلاسل التوريد والإنتاج المحلي.

كما أن الربط الضمني بين الأمن الغذائي والأمن المالي مهم؛ لأن الدول التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد تصبح معرضةً للعديد من التقلبات، منها ارتفاع فاتورة الواردات، والضغط على العملة والاحتياطي، والتضخم، وتقلبات الأسعار العالميَّة. لذلك فإن الاستثمار في الزراعة والثروة السمكيَّة والصناعات الغذائيَّة والتخزين والمياه يُنظر إليه كأداة لتخفيف الضغط المالي مستقبلًا، وهذا يتماشى مع توجُّهات سلطنة عُمان ضمن رؤية «عُمان 2040» لتنويع الاقتصاد، وتقليل الاعتماد على النفط.

مع عدم إغفال التركيز على المشاريع الاستثماريَّة، وليس الدعم التقليدي؛ إذ تسعى الحكومة إلى البُعد عن نموذج «الدعم الحكومي المستنزِف»، بل إلى تفضيل نموذج الشراكة مع القطاع الخاص والاستثمارات الكبرى. وقد سبق أن أعلنت الوزارة عن مشاريع وفرص استثماريَّة في الأمن الغذائي، مثل الصناعات الغذائيَّة، وتكرير السكر، والاستزراع السمكي، ومشاريع التخزين والتصنيع الغذائي، وهذا يدل على أن سلطنة عُمان تريد أن تصبح مركزًا إقليميًّا غذائيًّا، وليس فقط تحقيق الاكتفاء المحلي، مع متابعة البُعد الجيوسياسي عالميًّا؛ حيث كان حاضرًا بقوة من خلال قراءة أعمق مرتبطة بما يحدث عالميًّا وتأثيره على الشحن وسلاسل الإمداد، وكذلك التغيرات المناخيَّة التي تضغط على المياه والزراعة؛ لهذا كان الربط بين الأمن الغذائي، والأمن المائي، والاستثمار اللوجستي، أي تبنِّي مرونة استراتيجيَّة لمواجهة أي أزمات مستقبليَّة.

تمتلك السلطنة ميزةً نادرةً خليجيًّا، تتمثل في سواحل طويلة وتنوع بحري وموقع استراتيجي على بحر العرب والمحيط الهندي؛ لهذا يبدو أن سياسة الحكومة هي اعتبار الثروة السمكيَّة ليس كونها مصدر غذاء فقط، بل هي مصدر لجلب العملات الأجنبيَّة نتيجة تنشيط التصدير؛ أي إن القطاع السمكي ليس قطاعًا تقليديًّا فقط، بل أحد أعمدة الاقتصاد غير النفطي مستقبلًا. وهذا يعني أن نجاح هذه الاستراتيجيَّة قد يحقق لسلطنة عُمان تخفيف فاتورة الاستيراد الغذائي، وخلق وظائف في المناطق الريفيَّة والساحليَّة، وزيادة الصادرات الغذائيَّة والسمكيَّة، وجذب استثمارات خليجيَّة وآسيويَّة، وتحسين الأمن الاقتصادي الداخلي. إن السياسة التي تتبعها سلطنة عُمان لتنمية وتوفير الأمن الغذائي، باعتباره جزءًا من السيادة الاقتصاديَّة، هي سياسة واعية ونموذجيَّة لتأمين احتياجات الوطن والمواطن، ولتنشيط وتنمية الاقتصاد عن طريق الزراعة والثروة السمكيَّة لاستثمارات طويلة المدى ضمن مرحلة ما بعد النفط، تحقيقًا لرؤية «عُمان 2040».

جودة مرسي

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»