الخميس 14 مايو 2026 م - 26 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

عن الحمار فـي عيده

عن الحمار فـي عيده
الأربعاء - 13 مايو 2026 10:49 ص

د.أحمد مصطفى أحمد

40

في الثامن من هذا الشهر كان «اليوم العالمي للحمار»، وهو مناسبة سنويَّة للاحتفال بهذا الحيوان الذي لا يعرف قدره كثيرون سوى الفلاحين والمزارعين في مناطق الريف المختلفة. كان أول احتفال رسمي بهذا اليوم عام 2018، بعد أن أطلق باحث متخصص في الحيوانات يُدعى أرك عبد الرازق، وهو عالم حيوانات صحراويَّة باكستاني، الفكرة. واعتبر هذا العالم أن «الحمار لم ينل التقدير الكافي لدوره في خدمة الإنسان». لكن الاحتفاء بالحمار يرجع إلى ما قبل ما أعلنه العالم الباكستاني. فعلى سبيل المثال، عندما زرتُ كردستان العراق عام 2012، شهدت تدشين «حزب الحمير» تمثالًا برونزيًّا ضخمًا للحمار في شارع نالي بالسليمانيَّة. وكان نالي شاعرًا كرديًّا كبيرًا كتب قصيدة عن الحمير. وخلال الاحتفال قال الأمين العام للحزب، الذي تأسس عام 2005: «إن لتمثال الحمار أكثر من معنى؛ فقد لعب الحمار دورًا مميزًا في حركة التحرير الكرديَّة المسلحة، وكان الصديق الوحيد للمقاتلين الأكراد في جبال كردستان خلال الصراع من أجل الحقوق الكرديَّة».

كما أنه، من قبل ذلك، في بلدة بني عمار قرب مدينة زرهون وسط المغرب، يُقام مهرجان سنوي للحمير في الصيف. بل وقبل كل هذا، احتفى المصريون بالحمير، حتى إن الكاتب الكبير توفيق الحكيم ألَّف رواية بعنوان «حمار الحكيم» عام 1940. هذا فضلًا عن ذكر الحمار في القرآن الكريم خمس مرات. وقبل ذلك، في المسيحيَّة، اشتهر الحمار بأنه الدابة التي ركبها السَّيد المسيح، عليه السلام، عند دخوله القدس.

نلاحظ كثيرًا استخدام التشبيه بالحمار لسبِّ بعض البشر ممَّن يُرى في تصرفهم غباء، وهذا خطأ كبير؛ لأن الحمار حيوان ذكي قادر على التحمل، وبه من الخصال ما لا يقدرها إلَّا من تعرف عليها مباشرة. وقد خبرتُ ذلك من سنين القرية وأنا أشارك في زرع الأرض وفلاحتها. فإذا وضع الفلاح على ظهر حماره حملًا أكثر من اللازم، لا يتحرك به الحمار مهما أشبعه صاحبه ضربًا. ذلك أن الحيوان يقدر بشكل أفضل ما يمكنه حمله والسير به إلى هدفه دون أن يثقل عليه فيقع به أو يتعثر فينثر ما على ظهره. كما أن الحمار أحيانًا أفضل تقديرًا من البشر لما يمكنه القيام به. فمهما فعلت، لن يقفز الحمار قناة الماء في الحقل وعلى ظهره حمولة إذا لم يكن واثقًا من أنه يستطيع القفز بسلام. وإذا سار الحمار في طريق حفظه تمامًا، وأذكر ونحن صغار أن أهلنا كانوا يضعوننا على ظهر الحمار ويوجِّهونه على طريق يسلكه ليأخذنا إلى قرية مجاورة فيها الخياط (الترزي) الذي يخيط لنا ملابس العيد والمدرسة، ولم نكن نعرف الطريق، لكن الحمار كان يقف بنا في النهاية أمام دكان عم جرجس (الترزي). وللحمار في حياة الفلاحين في الريف كثير من الحكايات التي تنمُّ عن ذكاء وحُسن تقدير، بالإضافة إلى الجلَد والقدرة على التحمل.

ممَّا يُذكر عن الحمار أيضًا أنه لا يمكن أن يأكل من عشب سامٍ أو يشرب من ماء آسن ضار. فكان يقال: إذا سلكت دربًا صحراويًّا فخذ معك الحمار، وكل ممَّا يأكل منه، واشرب ممَّا يشرب منه وأنت آمِن مطمئن. كما أن الحمار هو أفضل كاشف حي للألغام، وكان يستعمله المقاومون الفلسطينيون لنقل السلاح والعتاد من الأردن إلى فلسطين المحتلة، ويمشون وراءه تفاديًا للألغام التي زرعها الاحتلال الصهيوني. وكان الأفغان يستخدمون الحمير في نقل المخدرات في المثلث الشهير ما بين أفغانستان وجيرانها في الشمال الغربي؛ لأنه يستطيع تفادي الألغام المتخلفة عن الحروب الكثيرة، من الاحتلال الإنجليزي إلى السوفييتي إلى ما بعده. وممَّا يقال أيضًا في فضل الحمير إنها حيوانات صبورة، ربما ليس مثل صبر الإبل، لكنها أيضًا تحتمل كثيرًا. ولا يقتصر عملها لصالح الفلاحين على حمل الزرع ومستلزماته بين الحقول والبيوت والمخازن، إنما أيضًا هي من دواب الركوب. فهي وسيلة تنقُّل قبل زمن انتشار الآلات في الريف. وأذكر أن بعض الحمير، خصوصًا التي تُستخدم في الركوب والتنقل، كانت مميزة عن البعض الآخر، سواء في أكلها من خضرة وعلف أو فيما يوضع على ظهرها لراحة الراكب.

بالطبع، كان أشهر تلك الحمير المخصصة للركوب، ولا تعمل في الحقل كالبقيَّة، هو «حمار العمدة» الذي يمتطيه عمدة القرية، ويدور به في القرية وجوارها من القرى الأخرى مؤديًا مهامه الرسميَّة. وقبل انتشار الدراجات، كان ساعي البريد أيضًا يدور في القرى والبلدات على ظهر الحمار يوزع الرسائل؛ طبعًا حين كان الناس يستخدمون الرسائل البريديَّة قبل ابتكار الرسائل النصيَّة على الهواتف الذكيَّة ومواقع التواصل الرقميَّة. ومع أن استخدام الحمير لم يَعُدْ كما كان مع التطور التقني واستخدام الفلاحين للميكنة الزراعيَّة، إلَّا أنه ـ في أغلب الأحيان ـ لا غنى للمزارع عن اقتناء الحمار. ربما تطور البشر واخترعوا أدوات الميكنة الزراعيَّة ووسائل الركوب والانتقال الحديثة، وأيضًا طرق التواصل الإلكتروني السريعة، لكن لا غنى للبشر عن ذلك الحيوان المفيد. فللحمار في عيده سلام، ونتمنى أن يدرك الجميع أنه كائن أبعد ما يكون عمَّا يُشاع بشأنه من مثالب، ونتوقف عن سبِّ البشر بعضهم بعضًا بالتشبيه به.

د.أحمد مصطفى أحمد

كاتب صحفي مصري

[email protected]