مسقط ـ العُمانية: تنفتح قصص (ظلال العزلة) للدكتورة عزيزة الطائية على تجربة شعورية مكثفة تضع القارئ أمام مرآة ذاته، وتدعوه للنظر في تفاصيل حياته بما تحمله من تناقض يثير الدهشة ويشرع باب التأويل ونوافذ الأسئلة، ويحول اللحظات العابرة إلى كلمات نابضة، ويجعل من العزلة فضاء رحبًا للتأمل. وتؤكد (الطائية) في مجموعتها الصادرة في طبعتها الثانية عن «الآن ناشرون وموزعون» بالأردن (2026)، الحضور المتجدد للقصة القصيرة جدًا في مشهد الأدب العربي المعاصر، إذ بدأ هذا النوع الأدبي يلقى رواجًا وازدهارًا في السنوات الأخيرة.
وتتضمن المجموعة الواقعة في نحو 192 صفحة، عشرات النصوص المكثفة التي تتسم بالاختزال اللغوي والعمق الدلالي، حيث تنسج الكاتبة عوالم إنسانية معقّدة عبر لقطات سردية خاطفة، تعكس حالات نفسية واجتماعية متباينة، وتغوص في ثيمات من أبرزها: العزلة، والفقد، والحب، والقهر، والبحث عن المعنى الوجودي، والتصالح مع الذات. ومن ذلك نقرأ في النص المعنون «مرآة»: «كسرتْ مرآتها التي أحبطتها لسنين، وقررتْ أنْ تخرج للعالم بحال جديد. أنصتتْ متأملة كتل القبح البشري من حولها. قالتْ: كنتُ في نعيم. بعد أيام لم يبقَ حولها أحد، فرممتْ مرآتها التي كسرتها».
تقوم نصوص المجموعة على الإيجاز الشديد مع الحفاظ على كثافة المعنى وعمقه، واستطاعت الطائي من خلال هذا العمل أن تقدم نموذجًا لافتًا لهذا اللون السردي، حيث تعتمد على لغة شعرية مشحونة بالإيحاء، وصور بلاغية تدعو القارئ للتفكير، حيث السحاب يؤكل، والأحلام ثقوب سوداء تلتهمها الديدان، والنجوم أعشاشًا.
وغالبًا ما تبدأ الطائي نصوصها من لحظة إنسانية مكثفة، ثم تتركها تتشظى في ذهن القارئ، حيث تتحول التفاصيل الصغيرة إلى إشارات رمزية كبرى، تكشف هشاشة العلاقات الإنسانية، وصراع الذات مع واقعها، وألم الخسران، كما في نصها «انتظار»: «ظلتْ واقفة عمرًا عند مرسى شارع الحب، حتى شاخ وجهها. كانت المياه تغمر الأفق. قالت: صعب أنْ ترهن عمرًا بكامله لحساب رجل، هو مجرد غيمة هاربة تمنحك إحساسًا قويًا بالحياة. أخرجت المرآة من الحقيبة ورمتها».
تتنقل نصوص المجموعة بين موضوعات عدة، إلا أن «العزلة» تبقى الخيط الناظم الذي يربط بين النصوص جميعها، والعزلة هنا ليست مجرد حالة فردية، بل هي انعكاس لعالم مضطرب، يعيش فيه الإنسان اغترابًا مزدوجًا؛ عن ذاته وعن محيطه. كذلك تتناول النصوص قضايا المرأة بجرأة لافتة، حيث تظهر المرأة في حالات متعددة: العاشقة، المكسورة، المقاومة، والحالمة.. وتبرز معاناة الأنثى في مواجهة المجتمع، سواء في العلاقات العاطفية أو في القيود الاجتماعية المفروضة عليها.