الخميس 21 مايو 2026 م - 4 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

جيل عاش بين زمانين

جيل عاش بين زمانين
الاثنين - 11 مايو 2026 10:15 ص

إبراهيم بدوي

10

لا أريد أن أكون متشائمًا، أو أتحدث عن إرهاصات مغلفة بقلق من المستقبل. صدقًا، أشعر أحيانًا أننا نعيش لحظة انتقال تاريخيَّة تخطت قدرتنا على استيعابها الكامل؛ لحظة يتحرك فيها العالم بسرعة هائلة، بينما يحاول الإنسان أن يلحق بروحه قبل أن يلحق بالتكنولوجيا من حوله. جيلنا تحديدًا عاش ما يشبه القفز بين زمنين مختلفين تمامًا؛ رأينا الحياة قبل أن تتحول إلى شاشات، وعرفنا العلاقات حين كانت تُبنى بالصوت واللقاء والوقت الطويل، ثم وجدنا أنفسنا داخل عالم يختصر البشر في رسائل سريعة وصور وخوارزميَّات تعرف عنا أشياء قد لا نعرفها نحن عن أنفسنا. أشعر بدهشة حقيقيَّة أكثر من الخوف؛ فسنوات قليلة كانت كفيلة لأن تعيد التكنولوجيا تشكيل تفاصيل الحياة، والوعي، وحتى طريقة التفكير. لقد أصبح الشخص منا يستيقظ يوميًّا على سيل لا ينتهي من الأخبار والآراء، وكأن العالم كله قرر أن يعيش داخل عقلنا طوال الوقت. لهذا أعتقد أننا لا نمر بتغير عادي يمكن تفسيره بسهولة؛ نحن نعيش إعادة تشكيل كاملة لفكرة الإنسان نفسها. بتُّ أؤمن أننا نعيش تحولًا حضاريًّا كاملًا يغير شكل الإنسان من الداخل قبل أن يغير شكل العالم من حوله.

عندما نجلس جلسة سمر مع أصدقاء من نفس الحي، أجد أننا جميعًا نتحدث باللسان نفسه، ونتذكر الذكريات نفسها. كنا نسعى إلى المعلومة في صحيفة أو كتاب، أو ننتظرها في نشرة إخباريَّة محددة الموعد. حتى المعلومة الاجتماعيَّة، كنا نوصلها بخطاب أو تسجيل صوتي، أو هاتفيًّا إذا بعدت المسافات؛ لذا كانت المعلومة عزيزة ومنقحة. أما الآن، فألاحظ أحيانًا أن المشكلة لم تعد في نقص المعرفة كما كان يحدث قديمًا؛ فالعالم اليوم يغرق بالمعلومات إلى درجة تجعل الإنسان عاجزًا عن التقاط فكرة واحدة بهدوء. كل شيء يتحرك بسرعة مرهقة، وبضبابيَّة تبعدك عن اليقين؛ فالأخبار التي كنا نقرؤها باتت تتدفق بلا توقف، والهواتف التي كانت أداة للتواصل إذا عز اللقاء، تحولت إلى نوافذ مفتوحة على خوف العالم كله وقلقه. زمان كنا نعيش لحظات سعيدة بالحركة والتلاقي، أما الآن فنحن نعيش عشرات الأحداث يوميًّا دون أن نخرج من غرفتنا.

لقد أحاطنا القلق من كل مكان: فحرب هنا، وأزمة اقتصاديَّة هناك، وانهيار عملة، وكارثة طبيعيَّة، وجدال سياسي، وتوقعات مرعبة عن المستقبل، لدرجة تخطت قدرة عقولنا على حمل هذا الكم الهائل من التدفق المستمر. فالإنسان القديم كان يعيش عمره داخل مساحة محدودة من الأحداث والتجارب، لكنها ثريَّة في توليد الخبرات، أما نحن فأصبحنا نعيش العالم كله دفعة واحدة؛ لهذا تبدو الروح مرهقة حتى لدى أكثر الناس نجاحًا ورفاهيَّة، وكأن البشريَّة دخلت مرحلة جديدة فقدت فيها قدرتها على الصمت، وأصبح الهدوء نفسه عملة نادرة في زمن قرر فيه الجميع الكلام في نفس اللحظة. حتى الخوف نفسه تغيرت طبيعته؛ فقد كنا نخاف من شيء مادي نراه بشكل مباشر، خطر واضح أو أزمة نعيشها بالفعل، أما اليوم فأصبحنا نخاف من احتمالات لا تنتهي، ومن سيناريوهات تتحرك أمامنا طوال الوقت عبر الشاشات والتحليلات والتوقعات، وكأن العالم أقنع الإنسان أنه يجب أن يبقى في حالة استنفار دائم حتى وهو يجلس داخل بيته. لهذا أعتقد أن التقدم الهائل الذي حققته البشريَّة منحنا قدرة مذهلة على الوصول لكل شيء، وفي المقابل سحب منا شيئًا بالغ البساطة كنا نملكه دون أن نشعر بقيمته: الطمأنينة. فأنا ألاحظ أن الإنسان الحديث يعرف عن العالم أكثر من أي وقت مضى، ويفهم الاقتصاد والسياسة والحروب والتكنولوجيا بصورة لم تحدث في أي عصر سابق، ورغم ذلك يبدو أكثر قلقًا واضطرابًا، وأقل تصالحًا مع نفسه، حتى أصبحت الراحة النفسيَّة هدفًا يسعى الناس إليه بنفس الطريقة التي كانوا يسعون بها قديمًا وراء النجاح والثروة.

وحتى أعرف حقيقة ما يحدث بداخلي ـ قبل العالم من حولي ـ أعود بذاكرتي إلى تفاصيل صغيرة كانت تبدو عاديَّة جدًّا في وقتها، فأكتشف أنها كانت تحمل قدرًا هائلًا من الحياة التي نفتقدها اليوم. أتذكر جلسة طويلة بلا هواتف، وصديقًا يطرق بابك دون موعد مسبق، وسهرة تمتد حتى الفجر دون أن ينظر أحد إلى ساعة أو يأتيه إشعار. أتذكر أن لحظات الصمت نفسها كانت تحمل معنى مختلفًا؛ كنا نعيش اللحظة كاملة دون أن نفكر في تصويرها أو مشاركتها أو تحويلها إلى محتوى يراه الجميع. لقد ربح الإنسان الحديث أشياء مذهلة بالفعل، منها السرعة والمعرفة والقدرة على الوصول إلى العالم كله. لكن ـ مع الأسف ـ خسر جزءًا من علاقته الفطريَّة بالحياة، تلك العلاقة البسيطة التي تجعل الإنسان حاضرًا بروحه لا بعقله المرهق. وربما لهذا السبب أصبح كثير منا يبحث عن الراحة في أماكن بعيدة، بينما ما ينقصه في الحقيقة هو مساحة هادئة داخل نفسه، مساحة تسمح له أن يسمع أفكاره بعيدًا عن هذا الضجيج الهائل الذي يطاردنا طوال الوقت. وأعتقد أن التحدي الحقيقي في السنوات القادمة لن يكون متعلقًا بالتكنولوجيا وحدها؛ فالبشريَّة قادرة على تطوير الآلات بصورة مذهلة، لكن كلما نجحنا في ذلك فقدنا جزءًا من إنسانيَّتنا وسط عالم يتحرك أسرع من قدرتنا على الشعور.

إبراهيم بدوي

[email protected]