خلال الأسبوع الفائت من حياتنا تواصل معي محمد مبارك العامري طالباً رقم هاتفي أنا الذي لم ألتق به شخصياً أو مع أحد من إخوته رغم الصداقة والأخوة بيني ووالده فقيد الشعر مبارك العامري عليه رحمة الله، محمد كان يريد إهدائي نسخة من الأعمال الشعرية للشاعر مبارك العامري بدوري طلبت منه عددا من النسخ لأصدقاء الشاعر الراحل داخل وخارج سلطنة عمان، وما هي إلا أيام معدودة وتصلني كرتونة بها ما طلبت ومعها نسختي المُهداة وهي أجمل هديةٍ تلقيتها في حياتي، إن كنتُ تلقيت فيها هدية بالأساس.
مُجلد بطباعة فاخرة يتصدر الغلاف الأول صورة لمبارك العامري وهو يكتب وكأنه أمامي الآن بهدوئه وصمته الأبلغ من الكلام، صمت العارفين، لم تضم الأعمال الشعرية قصائد الشاعر فقط بل يجد القاريء في بداية ونهاية المجلد صور للشاعر الراحل في مختلف مراحله العمرية المختلفة داخل وخارج سلطنة عمان، صور له وهو يتحاور مع قامات شعرية وعربية، صورة وهو مصاب في الرأس أثناء تغطية صحفية في محافظة ظفار في سبعينيات القرن الماضي، صور لمبارك العامري الشاعر الإنسان الصحفي الذي كان من مؤسسي الصحافة الثقافية في سلطنة عمان متنقلاً بين مجلاتٍ وصحف عدة، لم يتحدث الراحل معي أو مع أصدقائه أو أبنائه مطلقاً عن ريادته للصحافة الثقافية لأنه لم يرد جزاءً أو شكورا بل كان يريد خدمة عمان والثقافة.
«بسالة الغرقى» هو الديوان الشعري الوحيد الذي طبعه مبارك العامري رغم مسيرته الشعرية منذ سبعينيات القرن الماضي سبقه كتاب «مدارات العزلة» ورواية «شارع الفراهيدي»، فكيف استطاع محمد أن يجمع الأعمال الشعرية كاملةً وهي المتوزعة بين الأدراج والملفات والأرشيفات وغير ذلك، عبر رسالة بالواتس آب طلبت من محمد أن يخبرني بمراحل جمعه للأعمال الشعرية لوالده، أخبرني محمد أن المشروع بدأ في العام 2018م، جمع في البداية القصائد التي كان ينشرها والده في الفيس بوك حيث دأب لعدة سنوات في نشرها على حسابه، وهي إن لم تكن شاقة فإنها ليست سهلة، ثم انتقل بعدها إلى القصائد المنشورة في المجلات والصحف المختلفة في عُمان وخارجها، البداية كانت صعبة جداً نظراً لقلة الخبرة وأيضاً كونها موجودة في أرشيفات الصحف والتي بعضها لا يوجد بها أرشيف، كما أن بعض المجلات التي عمل بها الشاعر مبارك العامري محرراً ثقافياً توقفت عن الصدور كالعقيدة والنهضة، تحولت المهمة كونها صعبة إلى حبٍ شغف بعد أن أمتلك الخبرة في جمع ما نشره والده منذ بداياته الشعرية الأولى، استعان بأصدقاء والده الذين لديهم بعض الأعمال، ذهب إلى الصحف وقلّبَ الأرشيف صفحةً صفحة في كل الصفحات سواءً رياضية أو سياسية أو غيرها، يحس محمد وهو يبحث أنه يخدم عُمان قبل أن يخدم والده، بكى مبارك العامري عندما رأى ما جمعه محمد، جاءت جائحة كوفيد التي أقعدت العالم، ومحمد كان يبحث عن عمل بعد تخرجه من الجامعة لذا كان لديه الوقت الكافي للحصول على ما يريد، هيئة الوثائق والمحفوظات تضم أرشيفاً إلكترونيا لكل الصحف والمجلات والتصوير هناك بمبلغ مالي، قضى وقتاً طويلاً في أرشيفات الهيئة ودفع مبالغ مالية كبيرة ليجمع قصائد والده، مبارك العامري كان يضع الكثير من أعماله الصحفية في «مندوس» عماني وكان ما يحمله المندوس عوناً لجمع أعمال والده، أخبره أحد أقاربه أنه توجد «سحّارة» في الكثير من قصائد مبارك العامري، قضى وقتاً طويلا لمدة ثماني سنوات بين الأرشيفات والمكتبات وأصدقاء والده والمشرفين على الملاحق الثقافية، بعض الدواوين بين دفتي المجلد كانت جاهزة للنشر ولم ينشرها شاعرنا الراحل والباقي في قلوبنا نظراً للظروف التي مر بها العالم في تلك الفترة، بعض الدواوين اختارها الشاعر بنفسه وبعضها أشرف عليها مع إبنه الشاعر والباحث محمد العامري.
دوماً أقول أن عُمان ولّادة للمبدعين، وعندما أرى الأعمال الشعرية للشاعر مبارك العامري أقول أنها ولدت محمد الباحث الذي أصبح خبيراً في هذا المجال، في حوار أجري مع محمد أوضح بأنه جمع أعمال بعض الفنانين التشكيلين والأدباء والشعراء وقام بتسليمها لذويهم لطباعتها ونشرها إن رغبوا بذلك، فكم أنا فخور بك يا ابن بلادي. المثل العربي يقول (ابن الوز عوّام) وأنا أقول ابن الشاعر قصيدة تمشي على الأرض حباً وشعرا.
ناصر المنجي
كاتب عماني