الخميس 14 مايو 2026 م - 26 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

الحج بين النداء واللقاء «1»

الأربعاء - 06 مايو 2026 02:40 م


أيها الأحباب.. قريبًا نعيش أيامًا مباركة في أحد الأشهر الحرم، إنها أيام الحج الأكبر، فالحج ليس مجرد رحلة جسدية إلى بيت الله الحرام، بل هو شعيرة إسلامية جاء نتيجة لاستجابة للنداءٍ القديمٍ يتردّد صداه في أعماق كل روح من الأرواح منذ آلاف السنين، وذلكم النداء الذي ناداه سيدنا إبراهيم ـ عليه السلام ـ حينما رفع ـ عليه السلام ـ القواعد من البيت، قال تعالى:(وَإِذ يَرفَعُ إِبرَهِـمُ ٱلقَوَاعِدَ مِنَ ٱلبَيتِ وَإِسمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلعَلِيمُ) (البقرة ـ 127)، فلما انتهى من البناء أمره الله أن أذّن في الناس بالحج، قال تعالى:(وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلحَجِّ يَأتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِر يَأتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق) (الحج ـ 27)، أي:(نادي في الناس داعيًا لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه، فذكر أنه قال: يارب، وكيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقال: ناد ‌وعلينا ‌البلاغ، فقام على مقامه، وقيل: على الحجر، وقيل: على الصفا، وقيل: على أبي قبيس، وقال: يا أيها الناس، إن ربكم قد اتخذ بيتًا فحجوه، فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: “لبيك اللهم لبيك”) (تفسير ابن كثير 10/‏‏ 42). ومن هنا لم يكن ذلك النداء صوتًا عابرًا في فضاء محدود، بل كان نداءً أزليًا سُجّل في ذاكرة الكون، فسمعته واستجابت له الأرواح قبل أن تُخلق الأجساد، وظلّت تلك الاستجابة كامنة في أعماق المؤمنين حتى يأتي أوانها في حياتهم وقتما يخلقون. والجدير بالذكر أنّ الحج ليس قرارًا يُتخذ في لحظة بفكر في الإنسان ثم يقرر، بل هو استجابة لميثاق قديم بين الروح وربّها، ميثاق غليظ يذكّرها بأنّها خُلقت لتسعى إلى الله قال تعالى:(فَفِرُّواْ إِلَى ٱللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنهُ نَذِير مُّبِين) (الذاريات ـ 50)، والبيت العتيق هو رمز ذلك السعي ومركزه، تأتيه الروح بجسدها تلبي نداء ربها، ليظهر الحج رحلة شوقٍ روحي داخلي قبل أن يكون رحلة سفرٍ جسدي خارجي، حقًّا إنّها قوة روحية لا تُفسَّر بالقوانين المادية، بل تُفسَّر بالحنين الأزلي الذي زرعه الله في قلوب عباده، هذا الحنين هو الذي يجعل الحاج يترك أهله وماله ووطنه، ويستجيب لنداءٍ لا يُقاوم، فيتحوّل النداء إلى قرار، والقرار إلى استعداد، والاستعداد إلى انطلاق، ويبدأ الحاج بجمع ما يحتاجه من زاد ومال، لكنه في الحقيقة يجمع زادًا آخر أهم: زاد التقوى، يتذكّر قول الله تعالى:(وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقوَى وَٱتَّقُونِ يَأُوْلِي ٱلأَلبَابِ) (البقرة ـ 197)، فيدرك أنّ الحج ليس رحلة سياحية، بل رحلة روحية، وأنّ الزاد الحقيقي هو ما يحمله في قلبه من إخلاصٍ وصدقٍ وخشية. بهذا المعنى، يصبح كل استعدادٍ مادي رمزًا لاستعدادٍ معنوي، وكل خطوةٍ عملية انعكاسًا لخطوةٍ قلبية، ولهذا تجد بين الحجيج سواء أكان رجلاً أو امرأة من هو طاعن في السن، لا يثنيه كبر سنه، ولا تعجزه شيخوخته، ولا يؤخره ضعف جسده، ولا يقعده وهن عظمه، بل إن الشوق والإحساس بأنّ الحج هو تجديد للعهد مع الله، هما اللذان يحركانه، فهو يعلم أن البيت الحرام هو موضع اللقاء الذي تتجدّد فيه البيعة الروحية. ومما يدلل على ذلك حينما يتهيّأ المسلم للحج ـ سبحان الله ـ يشعر أنّه يتهيّأ للقاءٍ عظيم، لقاءٍ يذكّره بيوم القيامة، حيث يقف ضيوف الرحمن بين يدي ربّهم متجرّدين من كل شيء إلا من أعمالهم. بهذا يصبح الحج تلبية للنداء وتدريبًا على موقف يوم الحشر، واستعدادًا له.

.. وللحديث بقية.

د.محمود عدلي الشريف 

 [email protected]