الأحد 03 مايو 2026 م - 15 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

ارتفاع الأسعار وتأثيرها على الحلقة الأضعف «المستهلك» فـي الدورة التجارية

ارتفاع الأسعار وتأثيرها على الحلقة الأضعف «المستهلك» فـي الدورة التجارية
الأحد - 03 مايو 2026 11:00 ص

محمد بن سعيد الفطيسي

10

لا أرغب في الانتقاد أو توجيه اللوم لأحد في هذا المقال، بقدر ما أسعى إلى الدردشة حيال تأثير ارتفاع الأسعار على المستهلك بصوت مسموع، فما حدث سابقًا ويحدث في وقتنا الراهن من ارتفاع أسعار بعض السلع والخدمات أمر غير مستغرب كردة فعل على العديد من القضايا الدوليَّة والتحولات أو القرارات الاقتصاديَّة الوطنيَّة.

ولا أقول غير مستغرب؛ لكون ذلك ردة فعل طبيعيَّة على مجمل الأحداث، ففي بعض الأوقات لا بد أن لا نحسن الظن، فإحسان الظن من سوء الفطن، وقد عايشنا خلال السنوات الماضية العديد من تلك التغيرات التي كان يمكن استيعابها والتعامل معها بنوع من الهدوء والحكمة والموازنة بين ضرورات مواكبة الأسعار وفحش بعض التجار، بين ارتفاع بعض المنتجات المستوردة نتيجة بعض العوامل والاستغلال الذي ينتظره بعض المنتفعين والمحتكرين.

ولكن أن تستحدث بعض المؤسسات الحكوميَّة قرارات من وجهة نظرها قد تكون ضروريَّة، ولكن لتلك القرارات آثار سلبيَّة على حياة المواطنين، وترتفع الآثار في هذا الوقت على وجه الخصوص بسبب الظروف الدوليَّة الراهنة أم يجب التوقف عندها قليلًا؟ ولا غرابة في ذلك كذلك، فبعض مؤسسات الدولة قد تتخذ قرارات وسياسات تسعى من خلالها لتحقيق أهداف ومصالح عامة وعليا، ولكن ما يؤسف له ولا يمكن أن أصدق أن تلك المؤسسات لم تستوعب ما يمكن أن ينتج عن تلك القرارات، وإن كان ذلك قد حدث فعلًا تحت شماعة أنها غير مسؤولة عن نتائج قراراتها فهو أمر ينتهك بكل تأكيد أبسط التزامات الحكومة الدستوريَّة في أي نظام سياسي، أقصد تحقيق الرخاء والعيش الكريم للمواطن، بالإضافة إلى أهميَّة الموازنة بين الحقوق السياديَّة للمؤسسة والحقوق الإنسانيَّة للمواطن، وبعض الحقوق مقدمة على الآخر لوجود طرف ضعيف في تلك المعادلة.

فما يجب أن يتم مراعاته في وقت الأزمات أن يتم استيعاب تلك المتغيرات السياسيَّة والاقتصاديَّة الدوليَّة في قرارات وطنيَّة توازن بين ضرورات التنمية التي تقوم على تسييرها الحكومة ممثلة بمؤسسات الدولة وبين احتياجات ومعيشة المواطنين الذين هم عماد تلك التنمية. فعلى سبيل المثال، لا يمكن أن يتم اتخاذ قرارات تفاقم من ارتفاع الأسعار وتؤثر على معيشة السكان؛ لا يمكن أن أفرض ضرائب ورسومًا مرتفعة على بعض شرائح المجتمع مثل التجار وأصحاب السجلات التجاريَّة لأي سبب من الأسباب؛ لأنني أعلم في نهاية المطاف أن هذه الشريحة الأخيرة ستعيد توزيع حمل تلك الضرائب على الحلقة الأضعف في الدورة التجاريَّة أقصد المستهلك.

إذًا نحن اليوم أمام معادلة قد تكون صعبة، أطرافها ذوو مصالح متضادة، فالمستهلك يرغب في شراء السلع بثمن رخيص، والبائع يرغب في البيع بثمن مرتفع، بينما الحكومة قد تتخذ قرارات اقتصاديَّة أو تجاريَّة أو سياسيَّة تسعى من خلالها لاحتواء تأثير بعض العوامل الدوليَّة مثل الحروب والصراعات والأزمات، الأمر الذي ينتج عنه كذلك تأثير سلبي على أسعار السلع والخدمات، ما يؤدي بدوره إلى التأثير على الحلقة الأضعف في الدورة الاقتصاديَّة والتجاريَّة أقصد المستهلك (سكان البلد خصوصًا الطبقات الفقيرة).

طبعًا قد يقول قائل: ما ذنب التاجر فهو قد اشترى البضاعة بثمن مرتفع، كما قد تجيب المؤسسات الحكوميَّة أن قراراتها قد كانت نتاج دراسات لتحقيق الصالح العام، ماذا يفعل التاجر إذا كان كل شيء قد ارتفع عليه؛ التأمين والشحن والكهرباء والماء والإيجارات، المؤسسات الحكوميَّة كذلك لها رأيها في هذا السياق، ولها من الأسباب ما قد تقنع البعض ولا تقنع البعض الآخر؟ وبالرغم من كل ذلك تجري الدورة التجاريَّة والصناعيَّة بكل تعقيداتها سلامًا وبردًا على الجميع باستثناء المستهلك الذي يضطر لتحمل تبعات الحروب والصراعات والقرارات الحكوميَّة.

إذًا نحن أمام تحدٍّ يجب أن يتعاون فيه الجميع، جميع أفراد الوطن الكريم، الجميع بلا استثناء وبكل إخلاص ومحبة وتعاون، الحكومة يجب أن تتريث في حال رغبت في إصدار أي قرار قد يلامس معيشة السكان، وأقول أي قرار حتى لو فيه مصلحة عليا، فبعض المصالح مقدمة على الأخرى، ولا أتصور أن هناك مصلحة أهم من استقرار معيشة المواطنين في هذا الوقت. كذلك يجب أن تتدخل بقوة وحزم لمواجهة أي رفع فاحش للأسعار من قبل بعض التجار، فهناك ـ وللأسف الشديد ـ بعض التجار من الاستغلاليين والمحتكرين الذين لا يخافون الله ويرون هذه الأزمات فرصة سانحة للكسب السريع؛ فالغاية عندهم تبرر الوسيلة، وبالتالي فإن الحكومة مسؤولة بشكل كامل حيال مواجهة هذا الأمر الذي يُعَد جريمة أخلاقيَّة بالدرجة الأولى.

التاجر هو الآخر مسؤول عن تبسيط وتسهيل الحياة الكريمة لإخوته في الوطن، نعم من حقه أن يكسب، ولكن في حدود العقل والمنطق، في حدود الربح المعقول وليس الفاحش، خصوصًا في مثل هذه الأوقات، بعيدًا عن الاستغلال والاحتكار. كذلك المواطن الذي يجب أن يقف وقفة حزم وعزم مع نفسه واحتياجاته، وقفة تخطيط لمتطلبات حياته المعيشيَّة، ففي أوقات كثيرة من حياة الإنسان يجب أن يتخذ قرارات قد تكون صعبة ومؤلمة، ولكنها ضروريَّة للغاية، ضروريَّة للتعامل مع بعض الظروف والأزمات، والله المستعان، حيث من الواجب أن يبدأ في التراجع عن شراء بعض السلع التي يمكن أن يستغني عنها ولو مؤقتًا، لا يشتري السلع التي تم رفع ثمنها بدرجة فاحشة ما دام قادرًا عن الاستغناء عنها وهكذا.

كلنا في هذا الوطن العزيز شركاء، والشراكة تلزمنا الإخلاص للوطن وأبنائه الكرام، وترتفع قيمة التماسك والتعاون في وقت الأزمات.. حفظ الله عُمان من شر الكائد الحاسد الفاسد الحاقد، وقيض العلي القدير البطانة الصالحة لولي أمرنا حضرة صاحب الجلالة البطانة التي تعينه على أمر دينه ودنياه وخدمة وطنه، اللهم آمين.

محمد بن سعيد الفطيسي

باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية

رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

[email protected]

MSHD999 @