ليس لديَّ معلوماتٌ عمَّا إذا كانت معاملُ السلاح الضخمة قد شرعت في إجراء تغييراتٍ جوهريَّة على برامجها الخاصة بإنتاج الأسلحة التقليديَّة. لكن أخبار الحروب الجارية تشير إلى متغيراتٍ عميقة في أساليب الحرب وأدواتها الأكثر تأثيرًا، وهذا بحد ذاته كفيل بفرض آليَّاتٍ جديدة تختلف تمامًا عمَّا كان سائدًا، على الأقل خلال القرن الأخير.
في تصريحٍ قصير، لكنَّه لافتٌ جدًّا قبل مدة، وفي سياق حديثه عن الحرب الروسيَّة الأوكرانيَّة التي أصبحت شبه منسيَّة بسبب الحروب في المنطقة، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ما نصُّه: «لقد خضنا معركةً ناجحة ضد الجيش الروسي دون تدخل جندي واحد، وكانت الأسلحة الهجوميَّة بالطائرات المسيَّرة فقط».
بهذه المعركة نتخيل ما حصل؛ فقد انتفت الحاجة لغرفة أركان الحرب، حيث يُستدعى كبار ضباط الأركان في الجيش لوضع خطة الحرب بجميع تفاصيلها: مكان العدو وانتشاره، أعداد مقاتليه، أنواع الأسلحة، حجم تأثيرها، الدفاعات والهجوم، والقوة الجويَّة، وكل ذلك مبني على الاستطلاع البشري العميق. ثم يجلس كبار الضباط إلى طاولة تمثل ميدان المعركة المقبلة، وتوضع اللمسات النهائيَّة على الخطة التي تنفذها القطعات المعنيَّة.
لكن، بدلًا من كل ذلك، قد يُستعان بفريقٍ تقني بسيط، قد يتألف من مهندسي برمجة وذكاء اصطناعي اثنين، يجلسون إلى طاولة، وأمامهم أجهزة حاسوب محمّلة ببرامج ذكاء اصطناعي خاصة برسم خطة الحرب، ويكون البرنامج متصلًا بالجهة التي تصدر الأوامر، فتُحدَّد ساعة الصفر التي يقررها البرنامج الذكي، لا البشر الدارسون والمدرَّبون في جامعات متخصصة بأركان الحرب. ويوزّع الحاسوب التقرير النهائي على المعنيين بتلك المعركة، ويتدخل الجانب البشري في حال حصول أمر طارئ يمنع تلك المعركة، كصدور قرار بوقف الحرب أو ما شابه ذلك.
في الدقيقة صفر، تشنُّ الطائرات المسيَّرة هجماتها وفق الخطة، لتقصف الأهداف المحددة. وعلى الأرض، وبالتوقيت نفسه، تتحرك المقاتلات الروبوتيَّة لتشن هجومًا واسعًا وخطيرًا على الخصم، وتدور رحى معركة شرسة، قد تسقط فيها طائرات مسيَّرة مصممة للسقوط الانقضاضي، وتسقط معها روبوتات تحمل متفجرات لاستهداف الطرف الآخر. وبعد دقيقة واحدة من انتهاء المعركة، يكون التقرير بأدق تفاصيله أمام القائد البشري.
يكتب الذكاء الاصطناعي التصريحات خلال المعركة، فتذهب مباشرة إلى جهات النشر، ثم يصوغ البيان النهائي لها.
معركة مكتملة الأركان، ليس فيها قادة من البشر لرسم الخطة، وليس فيها بشر يستخدمون الأسلحة، ولا يوجد مقاتلون من البشر على أرض المعركة.
هكذا تبدو الملامح الدقيقة لمعارك المستقبل القريب، والسؤال: هل ستغلق الأكاديميَّات الحربيَّة أبوابها أمام طلبة الأركان في دول العالم؟
وليد الزبيدي
كاتب عراقي