الخميس 21 مايو 2026 م - 4 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

الذكاء الاصطناعي.. هل يهدد الوظائف؟ أم يفتح فرص عمل؟

الذكاء الاصطناعي.. هل يهدد الوظائف؟ أم يفتح فرص عمل؟
السبت - 02 مايو 2026 10:47 ص

نجوى عبداللطيف جناحي

30

ما زلتُ أذكر ذلك السؤال المقلق الذي كان يطرح في بداية الثمانينيَّات: هل توظيف الحاسوب (الكمبيوتر) سيلغي وظائف معينة، وستعم البطالة بسبب الاستغناء عن العمال والموظفين والاعتماد على الحاسوب؟ وهل سيتراجع دور المعلم؟ وأين سيكون مكان المكتبات العامة؟ هل ستصبح جزءًا من المتاحف؟! أسئلة كانت تثار مع المزيد من القلق. وما زلتُ أذكر تلك المناظرات الحواريَّة التي تثار بين الشباب بأن الحاسوب (الكمبيوتر) سيهدد مستقبل الشباب الوظيفي؛ نتيجة إلغاء الوظائف والاستعانة بالحواسيب، وكان رد البعض بأن الشباب الذين ستلغى وظائفهم سيعملون في مجال الحاسوب، سواء في تصنيع الأجهزة أو تصميم البرامج أو استخدامها، وهذا ما حصل فعلًا. فقد ألغيت العديد من الوظائف كالخطاطين والرسامين الذين يعملون في وسائل الإعلام، والمطابع، وكاتب الرسائل الذي كان يطبع الرسائل على الآلة الكاتبة، ولم يعد الناس يعتمدون على الكتب الورقيَّة كمرجع، فلم نعد نجد مكتبة ضخمة في كل منزل، وتغير دور المكتبات العامة وسميت بمصادر التعلم، وبدأت المحال التجاريَّة الإلكترونيَّة تنافس المحال التجاريَّة التقليديَّة.

نعم.. هذا الخوف ليس في محله، فكم من وظائف غابت وانحسرت بسبب ظهور اختراعات لتظهر بدلها وظائف أكثر تنوعًا وأكثر عددًا، فذاك الذي كان يسوق الحمار في الزمن القديم ويحمل عليها البضائع كالخضار والفواكه ويجول في الأحياء، غابت وظيفته بظهور اختراع السيارة، لتظهر وظيفة مدرب السياقة، وتظهر وظيفة مصلح السيارات، وتنتشر محال تصليح السيارات، وتظهر وظيفة السائق، كسائق الأجرة (التاكسي)، وسائق الحافلة، وتظهر الوظائف في محطات البترول.. ولك أن تسمي ما شئت من الوظائف بسبب ظهور اختراع السيارة والذي ألغى بعض الوظائف. وكذلك عندما ظهر تصميم أنظمة صرف المياه والمجاري، ألغت وظيفة ذلك العامل الذي يلف الأحياء لينظف تلك الحفر الضخمة التي تجمع فيها فضلات حمامات المنازل.

وها هو التاريخ يعيد نفسه فقد أصبح الذكاء الاصطناعي من أبرز التحولات التي يشهدها العالم، حيث دخل في مختلف المجالات من الطب إلى التعليم وصولًا إلى سوق العمل. هذا التطور السريع أثار جدلًا واسعًا بين من يراه تهديدًا مباشرًا للوظائف البشريَّة، ومن يَعدُّه فرصة لإعادة تشكيل الاقتصاد وخلق وظائف جديدة.

ولا يمكن إنكار أن الذكاء الاصطناعي بدأ يحل محل الإنسان في بعض الوظائف، خصوصًا تلك التي تعتمد على المهام الروتينيَّة والمتكررة. فالكثير من الشركات باتت تعتمد على الأنظمة الذكيَّة لتقليل التكاليف وزيادة الكفاءة، مما أدى إلى تقليص الحاجة إلى بعض الوظائف التقليديَّة. وهذا يثير مخاوف حقيقيَّة لدى العاملين، خصوصًا في القطاعات الإداريَّة والصناعيَّة.

لكن كما أوضحنا، إن التاريخ يظهر أن كل ثورة تكنولوجيَّة كانت تقابل في البداية بالخوف، ثم تتحول لاحقًا إلى مصدر لفرص جديدة. فالذكاء الاصطناعي لا يكتفي بإلغاء وظائف، بل يخلق مجالات عمل جديدة تتطلب مهارات جديدة مثل تحليل البيانات، وتطوير البرمجيَّات، وإدارة الأنظمة الذكيَّة. وهذا يعني أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في قدرة الأفراد على التكيف معها.

وهنا يبرز دور المؤسسات التعليميَّة في إعداد الأجيال القادمة لمواكبة هذا التحول، فمن الضروري تحديث المناهج الدراسيَّة، والتركيز على المهارات الرقميَّة والتفكير النقدي، بدلًا من الاعتماد على الحفظ والتلقين. كما يجب توفير برامج تدريبيَّة لإعادة تأهيل العاملين الذين قد تتأثر وظائفهم، للعمل في وظائف أخرى.

ويمكننا القول إن الذكاء الاصطناعي ليس عدوًّا للإنسان، بل أداة قويَّة تعتمد نتائجها على كيفيَّة استخدامها. فإما أن يكون سببًا في تفاقم البطالة، أو فرصة لبناء اقتصاد أكثر تطورًا وابتكارًا. والاختيار في النهاية يعود إلى مدى استعدادنا للتغيير والتكيف مع متطلبات المستقبل... ودُمتم أبناء قومي سالمين.

نجوى عبداللطيف جناحي

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية

متخصصة في التطوع والوقف الخيري

[email protected]

Najwa.janahi@