أيها القراء.. ومع ماء جديد من أنواع الماء التي ذكرها الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم نستكمل مسيرتنا، ألا وهو (ماء الشفاء)، ومعنى ماء الشفاء كما قال الزجاج:(المعنىٍ قلنا لأيوب: «ارْكُضْ بِرِجْلِكَ»: معناه دُسِ الأرض برجلك فداس الأرْض دَوْسَة خفيفةً، فنبعت له عَيْن فاغتسل منها فَذَهَبِ الداء من ظاهر بدنه، ثم داس دَوْسة ثانية فنبع ماء فشرب منه فغسِلَت الداء من باطن بَدَنِه) (معاني القرآن وإعرابه للزجاج 4/ 334).
وقد ذكر الله تعالى هذا النوع من الماء مرة واحدة في كتابه الكريم، قال تعالى:(اركُض بِرِجلِكَ هَذَا مُغتَسَلُ بَارِد وَشَرَاب) (ص: 42)، يقول ابن عطية:(أَيُّوبَ هو نبي من بني إسرائيل من ذرية يعقوب ـ عليه السلام ـ وهو نبي ابتلي في جسده وماله وأهله، وسلم دينه ومعتقده، وروي في ذلك: أن الله سلّط الشيطان عليه ليفتنه عن دينه، فأصابه في ماله، وقال له: إن أطعتني رجع مالك، فلم يطعه، فأصابه في أهله وولده، فهلكوا من عند آخرهم، وقال له: لو أطعتني رجعوا، فلم يطعه، فأصابه في جسده، فثبت أيوب على أمر الله سبع سنين وسبعة أشهر، قاله قتادة، وروى أنس عن النبي ـ عليه السلام: أن أيوب بقي في محنته ثماني عشر سنة يتساقط لحمه حتى مله العالم، ولم يصبر عليه إلا امرأته، وروي: أن السبب الذي امتحن الله أيوب من أجله هو: أنه دخل على بعض الملوك فرأى منكرًا فلم يغيره، وروي: أن أيوب لما تناهى بلاؤه وصبره، مرَّ به رجلان ممن كان بينه وبينهما معرفة فتقرعاه، وقالا له: لقد أذنبت ذنبًا ما أذنب أحد مثله، وفهم منهما شماتًا به، فعند ذلك دعا ونادى ربه، وقوله ـ عليه السلام:(مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ) يحتمل أن يشير إلى مسَّه حين سلّطه الله عليه ـ حسبما ذكرنا، فكان أيوب يتشكى هذا الفعل، وكان أشد عليه من مرضه) (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 4/506)، يقول الطبري:(قال أيوب: إن أكن غويا فعليّ غواي، وإن أكن بريا فأيّ منعة عندي، ولكن لي ربا جبارا تعالى فوق سماواته، نودي فقيل: يا أيوب، قال: لبيك، قال: أنا هذا قد دنوت منك، فقم فاشدد إزارك، وقم مقام جبار، لقد منَّتك نفسك أمراً ما يبلغ بمثل قوّتك، ولو كنت إذ منتك نفسك ذلك ودعتك إليه تذكرت أيّ مرام رام بك، أين كنت مني يوم رفعت السماء سقفا في الهواء لا بعلائق ثبتت من فوقها، ولا يحملها دعائم من تحتها، أين كنت مني يوم سجرت البحار وأنبعت الأنهار؟ أقدرتك حبست أمواج البحار على حدودها؟ أين أنت مني يوم صببت الماء على التراب، أم أين الماء الذي أنزل من السماء؟ أحكمتك أحصت القطر وقسمت الأرزاق، أم قدرتك تثير السحاب، وتغشيه الماء؟ هل تدري أين خزانة الثلج، أو أين خزائن البرد، أم أين جبال البرد؟ أم هل تدري أين خزانة الليل بالنهار، وأين خزانة النهار بالليل؟ وأين طريق النور؟ تبارك الله وتعالى؟ قال أيوب ـ صلى الله عليه وسلم: قَصُرْت عن هذا الأمر الذي تعرض لي، ليت الأرض انشقت بي، فذهبت في بلائي ولم أتكلم بشيء يسخط ربي، اجتمع عليّ البلاء، إلهي حملتني لك مثل العدوّ، وقد كنت تكرمني وتعرف نصحي يعجزك شيء ولا يخفى عليك خافية، ولا تغيب عنك غائبة، قال الله تبارك وتعالى: يا أيوب نفذ فيك علمي، وبحلمي صرفت عنك غضبي، إذ خطئت فقد غفرت لك، ورددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم، فاغتسل بهذا الماء، فإن فيه شفاءك، وقرِّب عن صحابتك قُربانا، واستغفر لهم، فإنهم قد عصوني فيك) (تفسير الطبري 18/ 493، ط: التربية والتراث، باختصار كبير).