الخميس 21 مايو 2026 م - 4 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

بلاغة آية «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ» «2»

الأربعاء - 29 أبريل 2026 02:25 م
10


.. وقوله: «الْكِتَابَ» هو كناية عن موصوف، هو القرآن الكريم، كتاب المسلمين، الكتاب الخاتم لكل أديان الكون، فهو إذا أُطْلِقَ انصرف إلى القرآن الكريم، كما أن الكتاب في علم النحو إذا أُطْلِقَ انصرف إلى كتاب سيبويه، فـ(أل) هنا عهدية ذهنية، أي الكتاب المعهود في ذهن، وعقل، وفكر، وروح كل مؤمن، ومسلم، أو أن تكون(أل) هنا هي (أل) الكمالية، أيِ الكتاب الكامل في كل شيء، ودونه كلُّ الكتب، هي إما (أل) عهدية ذهنية، وإما (أل) الكمالية على ما هو مبثوث في كتب النحويين من أنواع:(أل) العشرة، فهو كناية عن موصوف، وأنه لكونه حاضرًا في عقل، وذهن كل مسلم، ومؤمن عَرَفَ ما هو، وماهيته، وأنه الكتاب الذي ارتضاه الله للعالمين إلى يوم الدين، وأنه قد بعث به الرسول الكريم محمد – صلى الله عليه وسلم ـ وهو المقصود على الدوام، إذا قرئ في القرآن الكريم في أيِّ مكان ، وفي أيِّ سورة، وأن العقل لا يذهب إلى غيره، ويعلم أنه متى ورد نهض له، وقام به، وانتفض؛ لأنه الكتاب العزيز، المرتضى من رب العالمين، والنازل من أحكم الحاكمين.

ثم يبين الله العلةَ، والحكمةَ من إنزاله في لفظة مقدسة، ورائعة، وكاشفة، ومبينة للحكمة، والغرض من إنزاله، وإرساله، وهي: «تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْء»، والتِّبْيان أفصحُ، وأَجَلُّ من البيان، فكل زيادة في المبني تفضي إلى زيادة في المعنى، في أغلبِ الاستعمالاتِ، فوزن: «التِّفْعَال» قليل، واستعماله عزيز، ويأتي في مواطن التوقير، وعمق الدلالة، واتساع المفهوم، ثم إن اللفظة منَكَّرة، والتنكير يفيد العموم، والشيوع، فالقرآن الكريم فيه كلُّ ألوان البيان، والتوضيح، والكشف لكل مجريات الحياة، وله حُضُورُهُ في كلِّ تصرفات البشر، وبيَّنَ لنا كل الأحكام الشرعية، والفقهية لكل تصرفاتنا، وما فَرَّطَ الكتاب في البيان، والكشف من شيْء: «مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء»، فهو تبيان، وكشف، وتوضيح، وإضاءة، وإنارة لكل ما يحتاج إليه الخلق حتى لقاء الخالق، ومحاسبته إياهم على ما فعلوه تجاه َكتابه الجليل، وقرآنه الكريم، ومرسوله المجيد، وحكمه الفريد.

ويترشَّح هذا، ويتقوى بما بعده: «لِكُلِّ شَيْء»، فـ(كل) فيه الشمول، والعموم، وتنكير(شَيْء) يشمل كلَّ شيء في كل الحياة، وكل التصرفات، والأحداث والوقائع، وكل ما يفعله البشر.

فهو كناية عن الإحاطة، والإدراك، والاستيعاب، والشمول، وأنَّ شيئا ما لا يخرج عنه، بل كل التصرفات موضوعٌ فيه، مشمول عليه، له فيه حكمه، ورأيه، وله حضوره في أنفاس المؤمنين، وأرواحهم، وعقولهم، وفكرهم، وحياتهم.

وهو يدل على الإعجاز، ومعرفة كلِّ ما يدور في مراحل الحياة، وعمر الوجود، وأيام الدنيا، وقضاياها، وكل ما يجدُّ فيها، وفي عمرها، ويعتمل في أزمانها، وتصرفات أبنائها على مر زمانها كله، وتصرفاتها كلها، وقضاياها، ومشكلاتها الحاصلة، والمستجدة.

واللام في قوله: «لِكُلِّ شَيْء»، تفيد الملكية، والاكتساب، فكلُّ ما ينزله الله فيه نفع، وصلاح، وفائدة، وتعديل لاعوجاج المجتمعات، وميلها عن طريق الجادة، والصواب.

وقوله: «وهُدًى» نكرة تفيد العموم، والشمول لكل هدى، ورشاد، وصلاح، وسداد، فالهدى بكل ألوانه، وأطيافه، وأصنافه موجود في القرآن الكريم، ومن يريد الهدى، وكل أنواعه- فعليه اتباعُ القرآنِ المجيد، وما عليه إلا أن يفتح الكتاب العزيز، ويتعايش مع متطلباته، وأفضاله، وخيراته التي لا يمكن أن تحصى، ويستحيل أن تُسْتَقْصَى؛ لكثرتها، وتعددها، وفيوضاته، وتنوعها، وتعمقها، وتواصلها، وتناميها في كل أعمار الحياة، والكون.

وقوله: «وَرَحْمَةً» نكرة أخرى، وهي تفيد العموم، والشمول، فكل رحمة، وبكل أطيافها واردةٌ بين دَفَّتَيِ الكتاب العزيز، ورحمة الله لا حدَّ لها، ولا وقوفَ أمامَها، فهي رحماتٌ متجددة، ومتعددة، ومتتابعة، ومتواصلة على كلِّ مراحل الحياة، وفي كل أزمنة الوجود، واتساعها؛ لتشمل الجميع في الكون، ورحمة الله لا يتخيلها عقلٌ، ولا يحيط بها عقلُ بشرٍ، ولا تدخل تحت إحاطة إنسان، فهي أوسع من أن تحدَّدَ، وأكثر من أن تُوصَفَ، لأنهتا رحماتٌ ربانية، وتنزلات إلهية، لا وقوف لها، ولا نهاية لأنواعها، ولا تَوَقُّفَ لتنزُّلاتها في كل أعمار الكرة الأرضية، وفي الكلمتين كنايةٌ عن سعة الهدى، وعمق الرحمة، وتتابع الفضل، وتواصل الخير، واستمرار النعم، واستدرار المنن.

وقوله: «وَبُشْرَى» لفظة نكرة، وهي تفيد كذلك العموم، والشمول، وأن البشريات لا يمكن تخيلها، ولا الوقوف عند منتهاها، فهي فوق التصور، ودونَ تخيلِ كلِّ متخيلٍ، وهي أوسعُ من أن يحيط بها بشر؛ لأنها بشريات آتية من رب البشر، ومتعددة، ومتنوعة، ومتتابعة، ومتواصلة، ودائمة.

وشبه الجملة: «للمُسلمين»، وهو صفة لكلمة «بُشْرَى»؛ لأن شبه الجملة بعد النكرة صفة للنكرة، وهو (أي: شبه الجملة) قيدٌ، فهي: هدى، ورحمة، وبشرى للمسلمين، كل المسلمين، وفيه كناية عن سعة رحمة الله، ولطفه بالمسلمين، وفيه كذلك كناية عن حب الله لهم، ورحمته بهم، وعطفه عليهم، وحُنُوِّهِ بهم؛ ومِنْ ثَمَّ جعل الهداية والرحمة والبشرى بكل ألوانها، وأصنافها، وأطيافها، وهو دليل على قيومية الله لكونه، ورعايته به، وعنايته بشؤونه.

وهكذا بَدَتْ كلمات الآية كاشفة عن سعة رحمة الله، وماضية في بيان عظمته، وعطاءاته، وعنايته، وحسن عنايته بمخلوقاته، ورعايته بخلقه، وعباده.

د.جمال عبدالعزيز أحمد 

 كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية

[email protected]