في هذه الحلقة نتعرف على زمردة خضراء عجيبة الهدوء لطيفة اللمعان، ذكرها المولى سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، صفة من صفات المؤمنين، وقد ندرت منها مناجم الناس، تجمع تلك الزمردة عدة نفائس ارتقت بمقتنيها إلى أبهة الجمال النفسي، قال تبارك وتعالى: (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ، الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (الحج 34 ـ 35)، وقال:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (هود ـ 23).
والمُخبِت: فاعل من أَخْبَتَ، وهو ما خفي واطمأن من الأرض واتسع، واختلف المفسرون في المخبت؛ فذهب بعضهم أنه المتواضع بالنظر إلى المعنى اللغوي، فيما فسرّه آخرون بذكر الصفات التي وصفهم بها الله كالصبر والإنفاق والخشوع والوجل من ذكر الله، وفي الحقيقة أن جميعها مكونات زمردية اجتمعت في المخبت فأنورت منه خلقًا خضرًا مزيجًا، فساغ من ذلك التركيب الفيزيولوجي مستوى راقيًا عرف بالخبت، وأعجبني ما لاحظه البقاعي:(أي: المخبتين الذين هم في غاية السهولة واللين والتواضع لربهم بحيث لا يكون عندهم شيء من كبر وينظرون عواقب الأمر وما أعد عليها من الأجر).
ومن فوائد الإخبات: الحصول على بشارة الجنة والخير الكبير:(وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ)، والراحة النفسية: فالصابر والخاشع في صلاته والمنفق في السراء والضراء والذي وصل إلى درجة رهافة قلبه إلى الوجل بمجرد ذكر الله، أجزم أنه مرتاح البال.
ومن مظاهر الإخبات: العلم، الذي كلما ازداد المرءُ من مَعِينه زاد إيمانه، وتواضعه للناس ولينه لطلبته، وصبره في التعليم وإنفاقه للتدريس:(وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الحج ـ 45)، وكذلك الصبر على البأساء والضراء وحين البأس، وعلى مصائب الدنيا، وابتلاء الله، ونقص الأموال والأنفس والثمرات... كل ذلك وغيره يمر على المخبت خفيفا لينا.
ومن مظاهره إقامة الصلاة في جماعة وخشوع بشروطها، والتي من شأنها تسمو بالنفس وتطهرها من الدنس وترتقي بصاحبها إلى راحة البال العميقة، والإنفاق: سواء الواجب منه كالإنفاق على الوالدين والزوجة والعيال والدفاع عن الوطن، والمندوب كالتبرعات للمحتاجين وأعمال البر، وكذلك الوجل: تصدع القلوب وتخشعها عند ذكر الله كتصدع الجبال إذا أنزل عليها القرآن، بخلاف من قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم، وندرك أن عند الله مستويات من القيم الأخلاقية قد أطلق عليها مسميات قد تمثل مراتب عنده يرتقي من خلالها العبد إلى أفضلها بديمومة تعمقه فيها.. والله أعلم.
ويتجلّى الإخبات منزلةً إيمانيةً رفيعةً تجمع الخشوع والصبر والتواضع والإنفاق، وتثمر سكينة القلب وبشارة الجنة، فهو صفاءٌ داخليٌّ يرقى بصاحبه إلى أسمى مراتب القرب من الله.
كما يوصى بتعميق خُلُق الإخبات في القلوب، بملازمة الذكر، وإقامة الصلاة بخشوع، والصبر والإنفاق؛ لترتقي النفوس وتستقر الأرواح على طمأنينةٍ دائمة.