نعي جميعًا ـ أفرادًا ومجتمعات ـ كيف أضحى المشهد العام عالميًّا وما تحيط بيه من تغيُّرات جيوسياسيَّة وما له حقيقة من تأثير في ظل المشهد المتغير للصحة العالميَّة. لذلك سنجد أن هنالك قطاعات ذات أهميَّة استراتيجيَّة كالتي ندركها حاليًّا ألا وهي صناعة الأدوية. فمن منظور باحث في المجال الصحي، لا يُعَد فقط سعي سلطنة عُمان نحو صناعة أدوية محليَّة مجرد طموح اقتصادي، بل هو ضرورة طبيَّة ومسألة تتعلق بالمرونة الوطنيَّة، وعامل حاسم في ضمان الأمن الصحي لأجيالنا مستقبلًا.
بطبيعة الحال وخلال فترة ما، اعتمدت السلطنة بشكل كبير على الأدوية المستوردة، حيث تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى تسعين بالمئة سابقًا من احتياجاتنا الدوائيَّة كانت تستورد من الخارج. ورغم أن هذا النموذج بالفعل ضمن لنا كمجتمع الحصول على العلاجات المتقدمة، إلَّا أنه عرضنا في الوقت نفْسه لمخاطر كثيرة كاضطرابات سلاسل التوريد وتقلبات الأسعار، وتأخر الحصول على الأدوية خلال الأزمات العالميَّة. وخير مثال، ربما كانت جائحة كورونا، والتي بشكل حقيقي أكدت بأن الدول التي تفتقر إلى القدرة التصنيعيَّة المحليَّة تكون الأكثر تضررًا في أوقات الطوارئ الطبيَّة العالميَّة.
مع ذلك، واليوم تحديدًا وتحت توجيهات المقام السامي لجلالة السُّلطان هيثم بن طارق ـ أيَّده الله ـ تعمل السلطنة بنشاط على إعادة صياغة أهميَّة هذا القطاع، كيف لا؟ وهو الركيزة الأساسيَّة للمرونة الوطنيَّة بما يتماشى بشكل وثيق مع الإطار الاستراتيجي الأوسع للتنويع الاقتصادي، وتعزيز النظام الصحي في سلطنة عُمان. وعليه يجب أن نعي أهميَّة هذا التعزيز الدوائي، وكيف أن التصنيع المحلِّي يوفر إمكانيَّة الوصول إلى الرعاية الصحيَّة واستمراريَّتها بشكل مباشر، خصوصًا ما نشهده من ارتفاع في معدلات انتشار الأمراض المزمنة، لا سِيَّما داء السكري واضطرابات القلب والأوعية الدمويَّة؛ وبالتالي تتطلب هذه الحالات علاجًا دوائيًّا متواصلًا.
من ناحية أخرى وبالنظر إلى المستقبل، ندرك جميعنا بأن مستقبل صناعة الأدوية في السلطنة مرتبط ارتباطًا وثيقًا برؤية «عُمان ٢٠٤٠» والتي تركز على الاستدامة والابتكار والاكتفاء الذاتي. ومع ذلك أرى أنه من الجيد أن يسترشد هذا المسار بصنع سياسات قائمة على الأدلة واستثمار مستمر في البحث والتطوير، والتزام راسخ بالجودة.
والرائع هنا وحسب إحدى المجلات الاقتصاديَّة، ذكرت بأن السلطنة باتت توسع قدراتها التصنيعيَّة لتشمل ما هو أبعد من مجرد تركيبات دوائيَّة بسيطة. إذ تقوم المصانع حاليًّا بإنتاج أشكال دوائيَّة معقدة، بما في ذلك الحقن وإنتاج الأقراص بكميَّات كبيرة، مع استهداف بعض المشاريع إنتاج مليارات الوحدات سنويًّا وإمكانات تصديريَّة في جميع أنحاء دول مجلس التعاون الخليجي وشمال إفريقيا. بالتأكيد هذا التطور يضع السلطنة ليس فقط كمستهلك، بل كمساهم في أنظمة الرعاية الصحيَّة الإقليميَّة.
ختامًا، إن تطوير منظومة التصنيع الدوائي في السلطنة هو ضرورة استراتيجيَّة ستحدد فعليًّا قدرة البلاد على مواجهة التحديات الصحيَّة الراهنة والتقلبات المستقبليَّة. فبالنسبة للمنظومة الصحيَّة وصناع السياسات الاستراتيجيَّة على حد سواء الرسالة هنا واضحة لا لبس فيها: الاستثمار في تصنيع الأدوية هو في نهاية المطاف استثمار في صحة وأمن ومستقبل الوطن.
د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي