أكتب عن ذكرى يوم النَّكبة وأنا أحمل نفورًا قديمًا من هذا المصطلح، فنحن كعرب ومُسلِمِين اعتدنا أن نسمِّيَ هزائمنا بمُسمَّيات غريبة. فعندما دخل المغول بغداد، لا نزال نذكر الحدث بسقوط بغداد، على الرّغم من أنَّ دولة المغول سقطت ولم يبقَ من ذكراها سوى جرائمها البشعة، ولا تزال بغداد باقية، لكنَّ هذه المُسمَّيات الَّتي تتكرر ومن بَيْنِها مُسمَّى النَّكبة أو النَّكسة، حتَّى تحوَّلتْ إلى قناعة جاهزة تسكن الوعي دُونَ مراجعة، نفور لم يأتِ من رغبة في مخالفة السائد بقدر ما جاء من شعور متراكم بأنَّ اللُّغة الَّتي نَصِف بها أنْفُسنا تصنع صورتنا قَبل أن يفرضها الواقع علينا. ولهذا لم أعُدْ أرى في كلمة النَّكبة توصيفًا محايدًا لحدثٍ تاريخي، أراها إطارًا لُغويًّا ضيقًا حُبسنا داخله لعقودٍ وجُعلنا نقرأ ما جرى باعتباره نهاية مكتملة لا بداية صراع مفتوح! وفي كُلِّ مرَّة تُستعاد فيها هذه الكلمة أشعر بأنَّنا نُعِيد تثبيت لحظة الهزيمة في وعينا أكثر ممَّا نُعِيد فهمها، بَيْنَما الطرف الآخر يُعِيد صياغة روايته باستمرار ويمنح نفْسه حق إعادة تعريف كُلِّ محطَّة وفق ما يخدم حضوره في الحاضر والمستقبل، ما جعلني أفكر وأسأل حَوْلَ مَن الَّذي يملك حق تسمية التاريخ؟ ومَن الَّذي يدفع ثمن تلك التسمية حين تتحول إلى حقيقة مستقرَّة في العقول؟
إنَّني أفكر في عام 1948 من زاوية مختلفة، زاوية تبتعد عن توصيف الحدث كخسارة عربيَّة مباشرة، ونكبة كبرى، أو ـ كما نقول نحن ـ ذكرى ضياع فلسطين؛ أي أنَّنا نقرُّ بالضياع رغم أنَّ التاريخ يقول إنَّ المعتدي المحتلَّ مهما طالتْ دَولته فهي إلى زوال، ولنا في الاحتلال الصليبي نموذج؛ لذا سأتَّجه نَحْوَ قراءة أوسع من وجهة نظري، وكما أرى. فما جرى كان انهيارًا أخلاقيًّا وسياسيًّا لنظام دولي قرَّر أن يشرِّع اقتلاع شَعب كامل من أرضه؛ فقرار التقسيم كان إعلانًا صريحًا عن قابليَّة هذا العالم لتجاوز أبسط قواعد العدالة حين تتقاطع المصالح مع القوَّة، فهو نتيجة لوعد مَن لا يملك إلى مَن لا يستحق. كما أنَّني أرى أنَّ المجازر الَّتي تلَتْ ذلك لم تكُن انحرافًا مفاجئًا، كانت نتيجة طبيعيَّة لمسار بدأ بالقرار واستكمل بالصَّمت، صَمْت لم يحمل حيادًا بقدر ما حمل موافقة ضمنيَّة على ما يحدُث، وهنا تتشكل قناعة مختلفة لديَّ، قناعة ترى أنَّ النَّكبة الحقيقيَّة لم تُصبِ الشَّعب الفلسطيني الأعزل، ولا كانت غنيمة للكيان الصهيوني المُجرِم، لكنَّها كانت حدثًا تاريخيًّا مفصليًّا، أصاب فكرة العدالة نفْسها، وضرب مصداقيَّة منظومة دوليَّة لا تزال حتَّى اليوم تُعِيد إنتاج المشهد ذاته بأدوات أكثر حداثة وبتبريرات أكثر براعة، وتواصل لِيُشكِّلَ أكبر وصمة عار في تاريخ الإنسانيَّة.
إنَّ المشهد المتكرر كُلَّ عام يصنع مفارقة تفرض نفْسها بقسوة، فهناك كيان غاصب مُجرِم ارتكب جريمة اقتلاع شَعب أعزل، بمذابح سجَّلها التاريخ، يحتفل بذكرى تلك الجريمة النَّكراء، ويقدِّمها كإنجاز يؤسِّس لشرعيَّته، الَّتي يشاركه العالم الاعتراف بها، في حين أنَّ الشَّعب الفلسطيني صاحب الحق، وهو شَعب صمد لعقودٍ طويلة، لا يزال يدفع إلى استعادة الألم وكأنَّه الحدث الوحيد الجدير بالذِّكر، على الرّغم من وجود زاوية أخرى تستحق الاحتفال، وهي زاوية الصمود الَّذي لم يشهدْه التاريخ. فبرغم أنَّ هذه المعادلة الَّتي نشارك في ترويجها ـ للأسف ـ صنعت وعيًا مختلًّا يتعامل مع الذاكرة كمساحة للحزن لا كأداة لفهمِ الصراع وإدارته، ومع مرور الوقت ترسَّختْ لدَيْنا قَبل غيرنا صورة ذهنيَّة ترى في هذه الذكرى لحظة سقوط متجدِّد، في حين من الممكن أن نراها بداية مواجهة مفتوحة. وفي المقابل نجح الطرف الآخر في ترسيخ روايته عَبْرَ التكرار وإعادة التقديم والتوظيف السياسي والإعلامي، حتَّى أصبحتِ الجريمة في نظره لحظة تأسيس، بَيْنَما تحوَّلت معاناة الضحيَّة إلى طقس سنوي يُعِيد إنتاج الإحساس بالعجز، وبدل أن نقصَّها للعالم ولأنْفُسنا ونذكر حجم أسطورة الصمود الفلسطيني نجدنا نتحدث عن مذابح حدثت بلُغة العاجز عن أخذ حقِّه وينتظر العدالة ممَّن شاركوا المُجرِم في إجرامه، احتفلوا بالعمود الفلسطيني وارفعوا رايته عالية، فهو الشرعيَّة الوحيدة، وأبناء فلسطين هم أصحاب الحقِّ الأصيل، دعونا نحتفل بالبقاء رغم الإجرام، ولا نحتفل بنكبة شعوب باعوا ضمائرهم وتغاضوا عن جرائم دير ياسين وأخواتها حتَّى غزَّة العصر الحالي.
تتَّجه هذه القراءة في نهايتها إلى قناعة تتشكل بوضوح مع استحضار تفاصيل المشهد الماضي والحاضر، قناعة ترى أنَّ القضيَّة لم تتوقفْ عند لحظة تاريخيَّة بِعَيْنِها، وأنَّ ما جرى في 1948 لا يُمكِن فصله عمَّا يحدُث اليوم، حيثُ تتغيَّر الأدوات وتبقى الفكرة، ويتطور الشكل وتستمر الجريمة في جوهرها، وهذا ما يفرض إعادة صياغة الوعي بعيدًا عن القوالب التقليديَّة الَّتي اختزلتِ القضيَّة في ذكرى سنويَّة. فالقضيَّة في حقيقتها مسار مفتوح يفرض على الجميع إعادة التفكير في موقعه منه، سواء على مستوى الشعوب أو الأنظمة أو حتَّى الأفراد. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تجاوز حالة التلقِّي إلى حالة الفعل، وإلى الانتقال من استدعاء الذاكرة بوصفها عبئًا نفسيًّا إلى توظيفها كأداة ضغط وصناعة موقف؛ لأنَّ التاريخ لا يُكتب فقط بما حدَث، بل بما نقرِّره نحن تجاهه، وما نختار أن نحمله منه إلى المستقبل. وفي هذا الاختيار تتحدد قِيمة الوعي وقدرته على تحويل الألم إلى قوَّة، والهزائم إلى دروس، والصمود إلى مشروع مستمر لا يتوقف عند حدود الزمن.. دعونا نحتفل بتلك الأُمِّ الَّتي تزغرد عندما يسقط أحد أبنائها شهيدًا؛ لأنَّها تدرك أنَّ رحمها المستهدف سيلد مَن يناضل حتَّى تُسترد الأرض.. دعونا نحيي هذا الشيخ الَّذي حمل مفتاح داره معه وورثه للجيل الخامس لِيصلَ يقين العودة في النفوس.. دعونا نحيي هذا الطالب الَّذي يصرُّ على تحصيل العِلم لإدراكه أنَّ أحد أساليب المعركة، رغم أنَّ رحلته في طلب العِلم قد تكلفه حياته.. تحيَّة لِمَن لم يهربوا من قنابل الإبادة ورفضوا بدمائهم التهجير القسري.. إنَّها ليست نكبة، إنَّها بعث أُمَّة، فدعونا نحتفل بمَن ضحَّى لِيبقَى.
إبراهيم بدوي