لم يَعُدْ دَوْر منظومات الدَّولة ومؤسَّساتها محصورًا في تقديم الخدمات من واقع اختصاصاتها ومهام عملها، بل يتجاوز ذلك إلى أدوار أكثر عُمقًا واحترافيَّة في تشكيل وعي المواطن، وتأصيل هُوِيَّته الوطنيَّة، وترسيخ انتمائه، وبناء شخصيَّته وثقافته الوطنيَّة، وتعزيز ثقافة المواطنة الإيجابيَّة؛ كونها ركيزة أساسيَّة من ركائز التنمية المستدامة. لذلك لم تَعُدِ المؤسَّسات مجرَّد كيان تنظيمي يُقدِّم خدمة، وإنَّما أصبحتْ فضاءً وطنيًّا يتشكل فيه سلوك المواطن، وتتبلور من خلاله قناعاته واتِّجاهاته نَحْوَ وطنه وقيادته ومستقبله. فيسخِّر قدراته من أجلِ وطنه ويُعزِّز مهاراته بما يَضْمن فاعليَّتها على إحداث التحوُّل في مسارات الإنتاج وتحقيق الأهداف والغايات الوطنيَّة، وتوجيهها لبناء المواطنة الوظيفيَّة الَّتي تنقل الموظف من كونه صاحب وظيفة يؤدي خلالها مهِمَّة مُحدَّدة له سلفًا، إلى كونه صاحب رسالة يعمل على نقل التغيير في ممارساته الوظيفيَّة وترقيتها وتأديتها بشكلٍ أكثر كفاءة ومهنيَّة وإخلاصًا.
وعليه، يأتي التساؤل الجوهري في الموضوع: هل المطلوب من المؤسَّسات تقديم خدمة فقط؟ أم يتعدى دَوْرها إلى تأسيس مواطنة المواطن، والَّتي تأتي كنتاج لكفاءة خدماتها وابتكاريَّة آليَّات تقديمها؟ لِيشكِّلَ الإجابة على هذا التساؤل نقطة تحوُّل في عمل المؤسَّسات تفتح المجال لإعادة قراءة جوهر العمل المؤسَّسي، والانتقال من منطق الإنجاز الإجرائي إلى منطق صناعة الأثر. فالمواطنة ليست مفهومًا شعوريًّا منفصلًا عن الواقع، ولا قِيمة قانونيَّة تُفرض بنصوص وتشريعات، بل هي نتاج مباشر لجودة الممارسات المؤسَّسيَّة، وكفاءة الخدمات، وابتكاريَّة آليَّات تقديمها، ومدى التزامها بالمعايير المهنيَّة والإنسانيَّة الَّتي تحفظ كرامة المواطن وتُعزِّز ثقته.
وتأتي المواطنة في هذا السياق باعتبارها حصيلة تفاعل مستمر بَيْنَ المواطن ومؤسَّسات الدَّولة، حيثُ تُسهم هذه المؤسَّسات مُجتمعة في توجيه سلوك الفرد، وضبط قناعاته، وبناء ثقافته الوطنيَّة، وتصبح الصورة الَّتي تُقدِّمها للمواطن من خلال احتوائه والشراكة معه والاستماع إليه والأخذ بِيَدِه واستحضاره في المشروع المؤسَّسي مرآة عاكسة ترفع من سقف انتمائه الوظيفي وولائه الوطني وإيجابيَّته في قراءة الأحداث والمواقف وتفسيرها، لذلك لا يُمكِن فصل جودة الخدمة عن الاستثمار في المواطنة؛ إذ إنَّ الخدمة حين تُقدَّم بكفاءة، وتُراعى فيها معايير الذَّوق، والاحترام، والعدالة، والاهتمام، تصبح أداة فاعلة لبناء مواطن واعٍ بِدَوْره ومسؤوليَّاته، ومؤمِن بقِيمة ما يُقدَّم له، ومُقدِّر للجهود المبذولة من أجلِه. وحين يشعر المواطن بأنَّ المؤسَّسة تحترم وقته، وتقدِّر جهده، وتراعي مشاعره، وتفتح له مساحات المبادرة والابتكار، فإنَّ ذلك ينعكس إيجابًا على ولائه، واستعداده للبذل، وتسخير قدراته لخدمة وطنه.
ومن هنا تبرز أهميَّة الانتقال في الخدمة المؤسَّسيَّة من التكراريَّة والدَّوْر التقليدي إلى مفهوم صناعة الأثر وتأسيس المواطنة الوظيفيَّة، الَّتي تنقل الموظف من كونه صاحب وظيفة يؤدي خلالها مهِمَّة مُحدَّدة سلفًا، إلى كونه صاحب رسالة وطنيَّة، يرى في عمله ومهامه الوظيفيَّة وسيلة للإسهام في التغيير، ومساحة للإبداع، ومجالًا لتحقيق الأثر. انطلاقًا من أنَّ المواطنة الوظيفيَّة ترتكز على وعي الموظف والمُجتمع الوظيفي بِدَوْره، وإخلاصه في أدائه، ومهنيَّته في تعايشه مع مسؤوليَّاته، وقدرته على تحويل الممارسة الروتينيَّة إلى ممارسة ابتكاريَّة. الأمر الَّذي يتطلب تحوُّلات نوعيَّة في البناء الهيكلي والتنظيمي وملامح الأوامر والنَّواهي والتَّوجيهات والثَّواب والعقاب والتفاعل والتعايش والحوار، بما يَضْمن إيجاد بيئة مؤسَّسيَّة داعمة، وبنية تنظيميَّة وهيكليَّة وتشريعيَّة وإداريَّة تُرسِّخ الأمان النفْسي والوظيفي، وتؤصِّل العدالة في التقييم والتحفيز والمساءلة، وتُعزِّز الشراكة والتكامل بَيْنَ جميع مفردات ومُكوِّنات البيت المؤسَّسي الداخلي والخارجي على حدٍّ سواء، وتمنح الموظف الثقة في قدراته، وتشجِّعه على البحث والابتكار والريادة والقيادة وإثبات الذَّات. لِيتحولَ العمل إلى علاقة روحيَّة وعَقد وطني والتزام أخلاقي وإنساني قائم على التحفيز والدافعيَّة وتجديد الرغبة في العطاء، والتضحية، والتطوير دُونَ انتظار كلمة شكر أو مكافأة عينيَّة.
وعليه، تؤدي الممارسات المؤسَّسيَّة في هذا الإطار دَوْرًا محوريًّا في تشكيل صورة المواطن للوطن، من خلال طبيعة الصورة الَّتي تنقلها المؤسَّسة للمواطن، ومستوى تبسيط الإجراءات، وسرعة إنجاز المهام، وانسيابيَّة حركة البيانات والمعلومات، وكفاءة أدوات التوعية والتثقيف والإعلام، وعُمق الفهمِ لجوهر التشريعات وإنسانيَّتها واجتماعيَّتها من أجلِ تعظيم أثَرها في قناعة الموظف، وعندها تُصبح المؤسَّسة صورة مُعَبِّرة عن مساحات الحقوق الَّتي يمنحها الوطن لمواطنيه. وعندما تُقدَّم هذه الحقوق بأساليب راقية، تراعي إنسانيَّة الفرد وكرامته، وتستجيب لاحتياجاته وطموحاته، فإنَّ أثَرها يتجاوز حدود الولاء المؤسَّسي لِيصلَ إلى تعزيز الانتماء الوطني، والشعور بالمسؤوليَّة تجاه الدَّولة، والمحافظة على منجزاتها، وترقية أساليب التعامل مع مواردها ومرافقها، الأمر الَّذي قد يترتب عليه تحوُّل في سلوك المواطن، فيحافظ على الأدوات المؤسَّسيَّة، ويحترم المال العام، ويرتقي في طريقة استخدامه للخدمات؛ لأنَّه يرى في ذلك حفاظًا على وطنه لا مجرَّد التزام مفروض. كما تتجدد لدَيْه مشاعر الأمل، وتتَّسع دائرة اهتمامه لِتشملَ العمل التطوُّعي، والعلاقات الاجتماعيَّة الإيجابيَّة، والمشاركة الفاعلة في مسارات التنمية.
وفي ظلِّ التحدِّيات الاقتصاديَّة، وتقنين الصرف، ووقف الترقيات، يصبح تقييم المنجز المؤسَّسي مرتبطًا بمدى قدرة المؤسَّسات على الحفاظ على ثقة المواطن، وترسيخ قناعته بأنَّ الخدمة المقدَّمة تستحق ما يُصرف عليها من مال وجهد ووقت. فحين يلمَسُ المواطن أثَر السياسات والبرامج والمبادرات التطويريَّة على واقعه، يزداد إيمانه بالمؤسَّسة، ويسعى إلى نقلِ هذه القناعة إلى محيطه الاجتماعي والمهني، بما يُعزِّز الاستقرار النفْسي والوظيفي، ويحدُّ من حالات التذمُّر والإحباط. لذلك تتطلب مسألة قياس هذه العلاقة وتعظيم مسار تقديم الخدمة لِيكُونَ منطلقًا لصناعة التغيير وتأكيد الولاء والانتماء، وترقية الصورة الإيجابيَّة وتجسيدها في المنتج المؤسَّسي بهذه المرحلة؛ أن تتَّجه عمليَّات الرقابة والتحليل والتصحيح إلى ما هو أبعد من المؤشِّرات الكميَّة الَّتي قد لا تعطي صورة حقيقيَّة واقعيَّة عن مجريات المواقع المؤسَّسي، خصوصًا في ظلِّ ما باتَ يُظهره تطبيق إجادة من تباينات وامتعاض وعدم رضا في المُجتمع الوظيفي، لِتشملَ قياس الأثَر النفْسي والسلوكي للممارسات المؤسَّسيَّة، وموقعها من إدارة مشاعر المواطن والموظف، ورصد تجلِّيات المواطنة في واقع الأداء، والانطباعات الَّتي تتشكل لدى المواطن.
كما تتعاظم الحاجة إلى تَبنِّي إطار وطني داعم للمواطنة الوظيفيَّة والتنظيميَّة، يجعل من المؤسَّسات منطلقًا لقراءة الوطن في صورته الجميلة وغاياته السَّامية، وينقل المواطن من حالات السلبيَّة والانسحاب إلى تعزيز الشعور بأنَّه جزء من منظومة وطنيَّة متكاملة، تتطلب منه أحيانًا التنازل عن بعض رغباته واستحقاقاته الشخصيَّة لصالح المصلحة العامَّة. الأمر الَّذي يفرض تحوُّلًا نوعيًّا في مسار عمل المؤسَّسات ومنظومات الأداء؛ إذ إنَّ تحقيق هذه المعادلة وبناء صورة ذهنيَّة واقعيَّة ترفع من سقف المورد البشري وتحافظ في الوقت نفْسه على المنجز المؤسَّسي، يَقُوم على مجموعة من المرتكزات الأساسيَّة، من بَيْنِها: الثقة في قدرات المواطن وتمكينه، وتعظيم فرص الحوار مع فكره وابتكاره، وتحفيزه على العطاء والمبادرة والإنتاجيَّة، وتحمُّل المسؤوليَّة. كما تَقُوم على تعظيم الابتكاريَّة والاستدامة في الأداء المؤسَّسي، بما يُسهم في بناء ذات إيجابيَّة قادرة على التكيُّف مع المتغيِّرات، والاستجابة الواعية لمتطلبات التطوير. وفي هذا الشَّأن تأتي أهميَّة التأكيد على إنسانيَّة القانون واجتماعيَّته كأحد المرتكزات الجوهريَّة في بناء هذه العلاقة وتعظيمها وتشريعها في فِقه المسؤول وثقافة العمل المؤسَّسي، حيثُ يصبح القانون أداة لحماية الحقوق، وتحقيق العدالة، وضمان تكافؤ الفرص، واحتواء الظروف، بما يُعزِّز شعور المواطن بالأمن والاستقرار، ويدفعه إلى الالتزام به عن قناعة ورغبة، وبالتَّالي وضع المواطن الموظف ومتلقِّي الخدمة أمام مشاهد عمل واقعيَّة وإنجازات تنقله من حالات السلبيَّة والتذمُّر والإحباط الَّتي باتتْ حاضرةً في حديثه اليومي مع زملاء المهنة أو غيرهم، إلى مرحلة يشعر فيها بأنَّه جزء من منظومة وطنيَّة، عليه أن يدافع عنها ويتنازل فيها عن بعض حقوقه ورغباته الشخصيَّة واستحقاقاته، فيختار منها ما هو أقرب لصالح وطنه.
أخيرًا، فإنَّ مقاربات التحوُّل المؤسَّسي وتعزيز الحوكمة كأهم مرتكزات الإصلاح في الجهاز الإداري للدَّولة، وبناء مُجتمع وظيفي يمتلك حسَّ الوطن، وفِقهَ الإنجاز، وأدوات البناء، وثقافة العمل المؤسَّسي، تتَّجه إلى أولويَّة نقْلِ المؤسَّسات من دَوْر تقديم الخدمة إلى بناء المواطنة الواعية، وصناعة الأثر المستدام؛ فإنَّ الرهان على قدرة المؤسَّسات في إدارة معادلة التوازن بَيْنَ كفاءة الخدمة وفلسفة الاستثمار في المواطنة سوف يَضْمن وعيًا مُجتمعيًّا، وجاهزيَّة في التعامل مع المتغيِّرات القادمة في الوظيفة العامَّة، وبناء مستقبل وظيفي أكثر استقرارًا وإنتاجيَّة.
د.رجب بن علي العويسي