الاثنين 20 أبريل 2026 م - 2 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

تطوير خدمات علاج الإدمان

تطوير خدمات علاج الإدمان
الاثنين - 20 أبريل 2026 06:00 ص

د. يوسف بن علي الملَّا


نعي جميعًا أنَّ إدمان المخدّرات عدا أنَّه اضطراب مزمن ومتكرر، إلَّا أنَّ له آثارًا بالغة لا تقتصر على الفرد المُصاب فحسب، بل تمتدُّ لِتشملَ المُجتمع ككُلٍّ ونظام الرعاية الصحيَّة. لذلك الدراسات الطبيَّة أكَّدتْ على ضرورة التعامل مع اضطراب تعاطي المخدّرات بنفْس طريقة التعامل مع الأمراض المزمنة الأخرى. فهو ـ صدقًا ـ يحتاج صبرًا ومتابعة مستمرَّة مع المؤسَّسات المعنيَّة.

وللأسف، تُشير التقديرات إلى وجود اضطرابات تعاطي المواد المخدّرة بمستويات قابلة للقياس بَيْنَ السكَّان، مع ارتفاع معدَّل انتشارها بَيْنَ الشَّباب، متناسين أنَّ تعاطي المخدّرات أصبح مرتبطًا مع معدَّلات الأمراض النفسيَّة، بما في ذلك الاكتئاب واضطرابات القلق. وكما يُدرك المُجتمع الآن أنَّه يُسهم في انتقال الأمراض المُعْدية ويزيد من خطر الوفاة نتيجة الجرعات الزائدة. أمَّا من الناحية الاجتماعيَّة فيؤدِّي الإدمان إلى تفكُّك الأُسر، وانخفاض الإنتاجيَّة المهنيَّة. وقد وثَّقتْ تقارير المؤسَّسات المعنيَّة ارتفاعًا غريبًا في الجرائم المتعلقة بالمخدّرات خلال السنوات الأخيرة، ممَّا يعكس زيادة توافر المواد المخدّرة.

لذلك فموضوع العلاج ليس هو بزيارة المؤسَّسة الصحيَّة فقط، بل هو عمليَّة متكاملة ومستمرَّة لعلاج إدمان المخدّرات، يشمل أساليب العلاج الدوائي، مثل العلاج البديل للأفيون، إلى جانب التدخلات السلوكيَّة، وإعادة التأهيل النفْسي والاجتماعي، والمتابعة طويلة الأمد. مع ذلك، يُعَدُّ ارتفاع معدَّل الانتكاس أحَد أبرز التحدِّيات في طبِّ الإدمان. من ناحية أخرى يَجِبُ أن نعيَ بأنَّ معدَّلات الانتكاس لا تزال مرتفعة، وغالبًا ما تتجاوز تلك المسجَّلة في الأمراض المزمنة. وعليه، من الواجب الالتزام المستمر بخدمات الرعاية الصحيَّة بدلًا من نماذج العلاج قصيرة الأمد أو العرَضيَّة.

وبالتَّالي توافر خدمات علاج الإدمان السريريَّة واستمراريَّتها من العوامل الحاسمة لتحقيقِ نتائج ناجحة. لذلك قامت وزارة الصحَّة باتِّخاذ سلسلة من المبادرات الاستراتيجيَّة الرَّامية إلى تعزيز خدمات علاج الإدمان ودمجها في نظام الرعاية الصحيَّة الأوسع، بل وتمَّ افتتاح عدَّة مؤسَّسات معنيَّة بهذه الحالات وتوطين الخبرات الطبيَّة المساعدة. ومن هنا وضعتْ سلطنة عُمان ـ ومن خلال المؤسَّسات المعنيَّة ـ استراتيجيَّة وطنيَّة لمكافحة المخدِّرات والمؤثِّرات العقليَّة للفترة 2023 إلى 2028م. وحقيقةً تعكس هذه الاستراتيجيَّة تحوُّلًا نَحْوَ نهج أكثر تنظيمًا مع التركيز على الوقاية والكشف المبكر والعلاج وإعادة التأهيل، خصوصًا وأنَّها تتوافق مع أفضل الممارسات الدوليَّة من خلال اعتبار الإدمان مُشْكلةً صحيَّة وليست مجرَّد مسألة قانونيَّة أو أخلاقيَّة. وبالتَّالي شجَّعتْ هذه الاستراتيجيَّة التعاون بَيْنَ القِطاعات المختلفة، بما في ذلك مقدِّمو الرعاية الصحيَّة، وجهات إنفاذ القانون والمؤسَّسات التعليميَّة.

ويُمثِّل إنشاء مركز مسقط للتأهيل نقلةً نوعيَّة في مجال الرعاية المتخصِّصة للإدمان. يوفِّر هذا المركز خدمات شاملة، تشمل إزالة السموم، والتأهيل الداخلي، والمتابعة الخارجيَّة، والدَّعم النفْسي والاجتماعي، خصوصًا إذا ما أدركنا بأنَّ هذه المراكز مصمَّمة ليس فقط لإدارة أعراض الانسحاب الحادَّة، بل أيضًا لدعمِ التعافي على المدى الطويل، وإعادة الاندماج في المُجتمع.

ختامًا، يُمثِّل إدمان المخدِّرات تحدِّيًا طبيًّا وصحيًّا لكثيرٍ من المُجتمعات، وله تداعيات واسعة النطاق على الأفراد والمُجتمع. وهنا ظهرتِ الجهود الَّتي تبذلها وزارة الصحَّة العُمانيَّة بما في ذلك التخطيط الاستراتيجي الوطني، وتوسيع مَرافق إعادة التأهيل. ومع ذلك، فإنَّ تحقيق تقدُّم مستدام سيعتمد على التطوير المستمر للخدمات المُجتمعيَّة، وتكامل الرعاية على جميع مستويات النظام الصحِّي، والجهود المتواصلة للحدِّ من وصمة العار المرتبطة بالإدمان. وهنا أجزم أنَّه من الجيِّد النظر إلى الإدمان من منظور طبِّي لتحسين النتائج وتعزيز صحَّة المُجتمع.

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

[email protected]