الاثنين 06 أبريل 2026 م - 18 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

هل نمارس الرياضة.. أم نعقدها؟

هل نمارس الرياضة.. أم نعقدها؟
الاثنين - 06 أبريل 2026 07:46 ص

د. يوسف بن علي الملَّا


لسنواتٍ طويلة، هَيْمَنَ على نقاشنا العام حَوْلَ التَّمارين الرياضيَّة تفاصيل تبدو علميَّة، لكنَّها في مُعْظم الأحيان تُشتتُ الانتباه عمَّا يهمُّ! فمثلًا نناقش تفوُّق التَّدريب المتقطع ولكن نركِّز على تمارين الكارديو، ونُطالب بمعدَّل ضربات القلب الأمثل، والمُدَّة المُثلى للتَّمارين. فننسى أنَّ وراء هذا الضَّجيج سؤالًا مهمًّا ألا وهو: ما الَّذي يُحدِّد فعليًّا ما إذا كانتِ التَّمارين الرياضيَّة تُحسِّن صحَّتنا على مَدَى العمر؟

بلا شكٍّ الإجابة هنا ـ إن استطعتِ القول ـ لا تكمن في الكمال أو التعقيد. بل هي شيء أبسط، وأتحدَّث هنا عن الاستدامة والاندماج في الحياة اليوميَّة! فكُلُّنا يعي بأنَّ النَّشاط البَدني المنتظم يقلِّل من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدمويَّة والسكَّري والسرطان، والاكتئاب مع تحسين النَّوم، وإطالة العمر بشكلٍ عام، خصوصًا وأنَّ الدراسات أكَّدتْ أنَّ التَّمارين الرياضيَّة تؤخِّر ظهور عشرات الأمراض المزمنة وتطيل فترة الصحَّة.

مع ذلك يبرز سؤال آخر: إذا كانتِ الفوائد واضحةً إلى هذا الحدِّ، فلماذا يعجز الكثيرون عن المواظبة على النَّشاط البَّدَني؟ هل الإشكاليَّة هنا بالتَّوجيه؟ حقيقةً أجدُ هنا أنَّ الثقافة المعاصِرة هذه الأيَّام قد حوَّلتْ ممارسة الرياضة إلى أداء بدلًا من كونها سلوكًا. ألا نلاحظ أنَّ الرياضة أصبحتْ شيئًا يَجِبُ تحسينه وقياسه، ورُبَّما يتطلب جهدًا أكبر. وعليه، خلَق هذا حاجزًا نفسيًّا للكثير من الأفراد. وكأنَّني أقول لذلك الفرد إنَّه ما لم يكُنِ التَّمرين طويلًا أو مكثَّفًا، فإنَّه لا يحتسب. ونتيجة لذلك، عندما تُصبح الحياة مزدحمةً ويقلُّ الحافز تكُونُ الرياضة أوَّل عادة تتلاشى!

لذلك ظهرتْ حديثًا دراسات جديدة غيَّرت ذلك النقاش، وبيَّنتْ أنَّه حتَّى فترات قصيرة من الحركة كصعود الدرج، وحمْلِ مشتريات البقالة، والمشي السَّريع يُمكِن أن تقلِّلَ بشكلٍ ملحوظ من معدَّل الوَفَيَات وتُحسِّن صحَّة القلب والأوعية الدمويَّة. بمعنى أنَّه لا يُشترط أن يكُونَ التَّمرين حدثًا منظمًا لِيكُونَ فعَّالًا!

وإن صحَّ لي القول هنا، فهذا يُعِيدُ تعريف الرياضة! فالمشي لعشر دقائق ليس حلًّا وسطًا، بل هو لبنة أساسيَّة. وصعود الدَّرج لفترةٍ وجيزة ليس بالأمر الهيِّن، بل له فائدة بيولوجيَّة. والحركة المتراكمة على مدار اليوم لا تقلُّ أهميَّة عن التَّمارين المنظّمة، بل في كثير من الأحيان تكُونُ أكثر استدامة وذات فائدة مماثلة. وعليه فمستقبل الرياضة لا يكمن في مزيدٍ من التعقيد، بل في مزيدٍ من الوضوح!

ختامًا، أجزم هنا أنَّه آن الأوان للتوقف عن التَّساؤل عمَّا إذا كان التَّمرين مثاليًّا، والبدء بالتَّساؤل عمَّا إذا كان قابلًا للتّكرار؟ بل وقَبل كُلِّ شيء، يَجِبُ أن نتذكرَ أنَّ جسم الإنسان لا يستجيب للنيَّة، بل يستجيب للفعل المتكرر مع مرور الوقت. وهكذا يظلُّ السُّؤال المحوري بشأن التَّمارين الرياضيَّة ليس مَدَى صعوبة التَّمرين أو مُدَّته، بل هو هل نستمرُّ في الحركة؟

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

[email protected]