دمشق ـ «الوطن»:
صدر حديثاً عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب (قراءة هشام جعيط للتاريخ الإسلامي) للباحثة الجزائرية عفاف مسعي. يمثل هذا المؤلف دراسة استقصائية شاملة للمنجز الفكري لأحد أعمدة التأريخ العربي المعاصر، مسلطاً الضوء على محاولاته الجادة لإعادة بناء السردية التاريخية الإسلامية وفق معايير علمية صارمة بعيدة عن (التقديس والاجترار). ترى المؤلفة أن عبقرية جعيط تكمن في قدرته على إحداث قطيعة معرفية مع (التاريخ التقليدي) الذي يكتفي بتكرار الروايات التراثية. وبدلاً من ذلك، تبنى جعيط مفهوم (التاريخ-المشكلة)، مستعيناً بأدوات مدرسة الحوليات الفرنسية، والأنثروبولوجيا، والفيلولوجيا. هذا المنهج جعل من (السؤال النقدي) حجر الزاوية لمساءلة المصادر القديمة وتنقيتها من الأساطير والخرافات، وصولاً إلى فهم الأحداث كما وقعت في سياقها البشري والزماني.
يتناول الكتاب، الذي جاء في 330صفحة من القياس الكبير، كيف أعاد جعيط صياغة قراءة السيرة النبوية من منظور عقلاني ونقدي. فبينما انتقد القراءات الأيديولوجية عند المستشرقين والباحثين العرب على حد سواء، اعتمد جعيط على القرآن كوثيقة تاريخية أساسية متزامنة مع الأحداث.
*الهوية وجدلية الأنا والآخر
لم يغفل الكتاب البُعد الفلسفي في فكر جعيط، خاصة فيما يتعلق بالهوية والحداثة. تؤكد مسعي أن جعيط نظر إلى الإسلام بوصفه المكون الجوهري للشخصية العربية، لكنه في الوقت ذاته انتقد الانغلاق الثقافي المعاصر. وقد عقد مقارنات ذكية بين التجربة الإسلامية والنهضة اليابانية، داعياً إلى استلهام نموذج الانفتاح على الحداثة مع الحفاظ على (الأصالة) الذاتية.
يخلص الكتاب إلى أن مشروع هشام جعيط ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة حضارية تهدف إلى تحرير العقل المسلم من الأحكام الصارمة للماضي، وإعادة إدماج التاريخ الإسلامي ضمن المسار العالمي كفعل إنساني خاضع للنقد والمراجعة، مما يفتح آفاقاً جديدة للتجديد الأكاديمي والنهوض المعرفي.