الأحد 05 أبريل 2026 م - 17 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

ألسُن وحكايات : الشعوب المقهورة والعالم السجين

ألسُن وحكايات : الشعوب المقهورة والعالم السجين
الأحد - 05 أبريل 2026 04:37 ص

ناصر المنجي

80

«العالم الحر» هو المصطلح الذي أنشأه السيّد الأبيض منذ حقبة الحرب الباردة ، في رأيي الشخصي أنه مصطلح عنصري كونه يُشير إلى الدول الرأسمالية غير الشيوعية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل – علينا أن نصدّق أنها من العالم الحر- والبلدان التي تنتمي إلى حلف شمال الأطلسي ، للدلالة على عنصرية المصطلح أنه يشمل جنوب أفريقيا خلال فترة الفصل العنصري واليونان تحت حكم المجلس العسكري وإسبانيا خلال حكم الديكتاتور فرانكو ، لتزيين العالم الحر تم إضافة بعض الدول إليه مثل الهند واليابان ولكن بعد أن تم قصف مدينتي هيروشيما وناجازاكي بالقنابل النووية فيما كان الجيش الياباني يتجرّع الهزيمة أواخر أيام الحرب العالمية الثانية التي ألهب نيرانها العالم الحر.

لم تنضّم دولٍ عديدة إلى هذا العالم مثل فيتنام التي سقط فيها قرابة المليون من الضحايا لتنال حريتها من الاحتلال الأمريكي، وأربعة ملايين ضحية أثناء الاحتلال الفرنسي لها، الدول العربية التي عانى الكثير منها من أبشع أنواع الإستعمار والبطش وصَعَدت الملايين من أرواح الشهداء إلى بارئها لتنال استقلالها لم ينل شبر واحد منه شَرَفَ الانضمام لهذا العالم الحر، إصطياد ملايين الأفارقة مثلما تُصطاد الحيوانات واقتلاعهم من بلدانهم وأسرهم وأحلامهم وتقييدهم بالسلاسل وشحنهم بالسفن في ظروف لا هي إنسانية أو حيوانية للعمل عبيداً أو حبسهم وعرضهم في أقفاص بحدائق حيوانات ليكونوا فُرجةً لأطفال العالم الحر لم تشفع لبلدانهم أن تكون ضمن هذا العالم.

العالم الحر نَبَغَ فيه العديد من الموسيقيين والفلاسفة والكُتّاب والمبدعين بشكلٍ عام، فيه أيضاً تم اختراع الديناميت في أواخر القرن التاسع عشر على يد عبقرية ألفريد نوبل الذي مهّدَ لصنع الرصاص والمتفجرات بشكلٍ عام مما جعل السيوف والرماح في مزبلة التاريخ، بهذا الاختراع تأتى لرجل العالم الحر أن يستعمر بلدان العالم قاضياً على حضارات كاملة مثل ما حَصَلَ للهنود الحُمر الذين ليسوا هنوداً حُمراً أو زُرق بل شعب كانت له حضارة يعيش بمعزل عن جنون العالم لا ذنب له سوى أنه شعب لم يستعمر شبراً من أي بلد ، التاريخ لم يُسَجِّل أن شخصاً واحداً منهم قَتَلَ أو أعتدى على أي فرد فكان جزاءه أن تم قتلهم وإبادتهم عن بكرة أبيهم وأمهم وخالتهم سبةً للملك فيليب الثاني عام الكحول والمخدرات وصارَ ديكوراً للإنسانية في بلاده التي أصبحت رائدة العالم الحر.

العالم الحر (له حاجات) لا يتصّورها أحد، على سبيل المثال الفليبين لم يكن هذا اسمها، الصينيون يُطلقون عليها ماي – آي، العرب والمسلمين يُسمّون هذا الأرخبيل الجميل جُزر المهراج وأوفير نسبةً للثروات التي تتمتع بها قبل أن يطلقَ عليها المستعمر إسم « فيليبيناس» نسبةً للملك فيليب الثاني عام 1542، سُكّانها كانوا مسلمين في غالبيتهم قبل أن أن يتم تنصيرهم بالقوة ، ومن قَتَل المستكشف ماجلان هو المسلم « لابو لابو» الذي يقفُ تمثاله شامخاً في جزيرة سيبو، العجب العُجاب أنهم جعلوا تاريخ اليوم الوطني لها هو يوم دخول المستعمر، العالم الحر استعمر كل بلاد العالم وأستنزف مواردها ولو كان بوسعه أن يستعمر الكواكب الأخرى لَفعَل.

هذا العالم قدّمَ للإنسانية اختراعات عديدة في مجالاتٍ كثيرة ساعدت البشرية، لكنه في المقابل فيه تمّ تصوير أول فيلم إباحي، وفيه يتم إنتاج أفلام الحركة التي عن طريقها يتعلّم الإنسان العنف ، كما إنها أحدى مُسَبِبات الانتحار عند الأطفال والمراهقين مثلما قال علماء النفس والاجتماع ، ولأنه مركز صناعة القرار ففيه يتخذ قرار شن الحروب وتمزيق الدول وقتل الملايين .

في الختام لا بُدّ لي من القول إنني لا أكره العالم الحر أو العالم المُستعبد، لكنني أحمُد الله حمداً كثيرا لأنه حباني بأنني من قريةٍ جميلة في شمال شرقية عُمان، الحُرةُ بحق.

ناصر المنجي 

 كاتب عماني