هل أصبح كسب المال عِلمًا تلقِّنه المدارس والجامعات ومعاهد التدريب لطلبتها والمنتسبِين إليها؟ والتخصُّص فيه يُعزِّز الدافعيَّة والذَّكاء والمعرفة والإقدام كشرطٍ أساس للنجاح في حيازته ومضاعفته ونُموِّه والحصول على عضويَّة نادي الأغنياء؟ هل لدَيْنا مستشارون وخبراء وأكاديميون متخصِّصون في تدريب وتأهيل الراغبِينَ ـ وما أكثرهم ـ ليكُونُوا أثرياء مترفين يعيشون في عالم من الرخاء والازدهار، والبراعة في عالم المال والأسواق وإدارة الأنشطة التجاريَّة؟ لماذا هذا الوَلَه والشَّغف والتَّهافُت على اقتناء وشراء وقراءة الكتب الَّتي تُقدِّم نصائح وأفكارًا وخططًا وإرشادات لكسب المال والنجاح في عالم الأعمال، فتتحول إلى «أكثر الكتب قراءة ونفاذًا من الأسواق»، من مثل «كيف تصبح غنيًّا»، وهل يُمكِن تحقيق الوفرة الماليَّة باتِّباع وصفات مكتوبة، وبهذه السرعة...؟ مُعِد ومؤلِّف هذا الكِتاب الَّذي يستند الفيلم الوثائقي إلى مادَّته، يتربع على عرش «أفضل الكتب مبيعًا»، ويسعى إلى «تعليم الناس كيف يعيشون حياة الأثرياء». وقد تباينت الإجابات ووجهات النظر حَوْلَ حلم المال، والهدف من الثراء، عندما طرح مقدِّم البرنامج مجموعة من الأسئلة العشوائيَّة، تعكس طبيعة ومستويات الأفراد الَّذين وجِّهت إليهم وتعليمهم وحياتهم الماليَّة، «حين تسمع بكلمة ثراء ما الَّذي يخطر في ذهنك؟» رأى البعض أنَّ الاهتمام بالمال وربطه بالسَّعادة وجعله غاية وأولويَّة في الحياة، تشعرهم بالدونيَّة وتعكس ضعف الإنسان وقيدًا يعيق حُريَّاته، فهو ـ أي المال ـ «يشيع الخلافات في العلاقات»، و»كُلَّما جنيتُ مالًا أكثر تنخفض قِيمتي»، و»يشعرني بالدونيَّة»، فيما وجد آخرون في المال سُلطة وقوَّة ونفوذًا وحُريَّة في تحقيق الرَّغبات والهوايات والسَّعادة، إنَّه يعني «المقدرة على فعل ما أريد»، و»البذخ في الإنفاق على ما أُحب». تتناول فكرة البرنامج وفصوله الآتي: «الدَّيْن الائتماني وشراء منزل ـ التقاعد ـ مخطَّطات التسويق، أي إحداث إصلاحات تُعالج الخلَل في الدَّخل والإنفاق وإحداث التوازن ـ التقتير والإسراف ـ ضعف الموارد وزيادتها ـ التحكم في طريقة إدارة المال بشكلٍ عام ـ تحديد الأولويَّات...». العنوان «كيف تصبح غنيًّا»، مضللًا بعض الشيء، فقَدْ يعتقد مَن يقرؤه بأنَّ غايته تقديم استشارات ومشاريع وأفكار تساعد الراغب في كسب المال وتحقيق الثراء بأن يكُونَ غنيًّا، فيما هدفه الأساسي تقديم النصائح والإسهام في إعداد خطَّة لإصلاح الخلَل في إنفاق المال وتعزيز الوعي بتحديد الأولويَّات والتحكم في النفقات، بمعنى «تغيير التفكير حَوْلَ المال»، ودارت محاوره حَوْلَ القضايا الآتية:
استيعاب مشاكل الأُسرة الماليَّة، وتقديم الحلول بشكلٍ مستمرٍّ وكأنَّه طبيب يُشرف على علاج مرضاه ويُقيِّم مدى الاستجابة للعلاج.
العمل على تخفيض الإنفاق، وتعزيز القدرات على التوفير والادخار للأيَّام الصَّعبة، وهما أهم نصيحتين للتعامل مع المال بوعي، والقدرة على التحكم فيه.
التنبيه إلى مخاطر الأفكار السيئة الَّتي نتأثر بها والانبهار بالمظاهر والوقوع في فخِّ عروض الأسواق وشركات التمويل والمصارف، واستخدام المال دُونَ استثمار إلى أن ينضبَ... والَّتي تُعَدُّ من أبرز الأسباب للأزمات الماليَّة الَّتي تتعرض لها الأُسرة في عصرنا الراهن.
مثل هذه الكتابات والبرامج وعرض استشارات الخبراء، تكُونُ مطعَّمة بتجارب ونماذج من الواقع، تعمِّق الوعي بقِيمة المال وأهميَّته، وضرورة الترشيد والاستثمار والادخار، لتحقيقِ الاستقرار الأُسري.
بعض الهوايات، خصوصًا المتعلقة بالترفيه، والَّتي نمارسها بضغط الفراغ تكلفنا مبالغ ماليَّة ضخمة، وتسبِّب الاستدانة والإنفاق غير المدروس، مثل التبضع من محالّ تجاريَّة غالية، وشراء منتجات لإرضاء الرغبة فقط، وإدمان الألعاب والسَّفر، والأكل في المطاعم باهظة الثمن، وهي تتعارض مع خطَّة الإنفاق المدروس الضَّامنة لمستقبلٍ مزدهر خالٍ من الأزمات الماليَّة والتوتُّرات النفسيَّة.
بسبب سُوء التدبير وعدم تقدير العواقب والهوس بشراء منازل أو سيَّارات تفوق تكلفتها كثيرًا، عمَّا لدى الشخص من مال، يغرق الكثيرون في فخِّ الديون والعجز عن دفع الأقساط فيضطرون إلى التخلص منها بأسعار بخسة، مثالًا، من «سوء التقدير والتصرف أن تشتري امرأة حقيبة بـ١٥٠٠ دولار دُونَ أن تفكرَ في استثمارها في مشروع يدرُّ دخلًا آخر عليها».
تبرز أهم المشاكل والتحدِّيات الماليَّة الَّتي تواجه الأُسرة، وناقشها البرنامج، في الآتي:
تتلخص معاناة بعض مَن أدلوا بمُشْكلاتهم أنَّهم لا يعلمون ماذا يريدون، أو أنَّ لدَيْهم طموحات ورغبات ومتطلبات ولكن لا تصحبها أيُّ خطط، بمعنى أنَّ حياتهم الماليَّة تعتمد على العشوائيَّة.
يمتلك آخرون مخازن من الأشياء والمقتنيات الثمينة الَّتي لا تستخدم، فيمضي عليها الزمن إلى أن تفقدَ قِيمتها تدريجيًّا، فكانت الفكرة بيعها أو عرض بعضها، وتوظيف المال المحصَّل في دفع الديون أو التفكير في البدء بمشروع استثماري.
الدخول في مشاريع وأعمال لا تتلاءم مع خبرات وتخصُّصات الشخص الَّذي يُديره، أو لا دراية له بثقافة التجارة والسوق والتسويق، بل ولم يَعُدْ حتَّى دراسة جدوى عنه.
إذا حصل ونجح المشروع وحقَّق أرباحًا مُرْضية، يتمُّ إنفاقها بشكلٍ سيِّء بدلًا من ادخار جزء منها للمستقبل أو توظيفها لتنمية وتطوير المشروع، أو كنوع من الملاءة لإنقاذ المشروع إذا تعرَّض للخسارة.
قدَّم البرنامج حلولًا وأفكارًا إصلاحيَّة تُعالج الكثير من المُشْكلات الماليَّة الَّتي تمَّ طرحها، يُمكِن عرض أهمِّها في الآتي: إطلاق خطَّة إنفاق واعية ـ تغيير طريقة التفكير حيال المال تؤكِّد على دَوْره في تحقيق الرَّخاء والازدهار، واستيعاب القِيمة الحقيقيَّة له ـ التعامل مع المُشْكلات الماليَّة بجديَّة وعدم إهمالها ـ دفع المستحقَّات وتسديد الديون دُونَ تأخير، كالفواتير والأقساط الشهريَّة ومبالغ البطاقة الائتمانيَّة... فتجاهلها والتسبّب في تراكمها أشْبَه بالتسرُّب كُلَّما أهملناه تفاقمتِ المُشْكلة وتعقَّدتْ ـ وضع خطَّة شهريَّة للإنفاق على شكل بنود أساسيَّة لا يُمكِن تجاوزها، تأخذ في حسبانها مستوى الدخل وتخصيص جزء للادخار والاستثمار مثالًا، «صندوق طوارئ للحالات الطارئة»، وتمويله بمساهمات أكبر في فترات الرَّخاء والوفرة الماليَّة ـ معالجة ما يُسمَّى «بدل فاقد»، حيثُ يتسرب المال على أشكال أعطال كهربائيَّة وفي شبكات الماء وترك الأجهزة تعمل دُونَ الحاجة إلى ذلك، وشراء مواد غذائيَّة تزيد عن الحاجة الفعليَّة تتلف قَبل أن يستفادَ منها... نحتاج في بُلداننا إلى هذا النَّوع من البرامج والجهود التوعويَّة للوقاية من السقوط في فخاخ الديون، والاستهلاك المفرط، وتبديد الديون في مشتريات كماليَّة، والوقوع في خداع البرامج والدعايات والتطبيقات الَّتي تسعى إلى سرقة المال من جيوب أصحابها...
سعود بن علي الحارثي