الأحد 05 أبريل 2026 م - 17 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

الاعتداء على تدرج القواعد القانونية بحجة «شماعة» التقديرات والإجراءات الداخلية

الاعتداء على تدرج القواعد القانونية بحجة «شماعة» التقديرات والإجراءات الداخلية
الأحد - 05 أبريل 2026 05:12 ص

محمد بن سعيد الفطيسي

10

تعلَّمنا من أساتذتنا، وعَلَّمنا طلابنا أنَّ دَولة المؤسَّسات والقانون هي الشكل النهائي للدول القادرة على ضمان أمن وحقوق الأفراد والمُجتمعات مهما اختلفت أنظمتها السياسيَّة، وهي ـ أي دولة المؤسَّسات والقانون ـ أشْبَه بالجبال الَّتي تبقى الدَّولة المَدنيَّة في حالة من التَّوازن والثَّبات والطُّمأنينة والاستقرار حتَّى لا تميدَ وتضطرب.

من زاوية ثانية، يُعَدُّ القانون بوصفه شعورًا ملائمًا هو سببًا صحيحًا للتوافُق مع الطبيعة والفطرة البشريَّة السليمة، وأنَّه ينتشر من خلال كُلِّ التجمعات الإنسانيَّة، وهو يخاطب الناس بصورة أبديَّة وغير متغيِّرة أو متحيِّزة للقيام بواجباتهم، وذلك عن طريق أمرِهم، وردعهم من القيام بالأعمال غير الصحيحة منها.

وأنَّ «لِكُلِّ سُلطة من السُّلطات في الدَّولة ـ السُّلطة التشريعيَّة والقضائيَّة والتنفيذيَّة ـ لها اختصاص مُحدَّد في إطار الدستور (النظام الأساسي في سلطنة عُمان)، فإذا هي خرجتْ عن هذا الاختصاص المُحدَّد كان خروجًا غير مشروع، وبذلك لا يستطيع أحد التدخل في اختصاص أيٍّ منها؛ لأنَّ الدستور وزَّع الاختصاصات وحدَّد لكُلِّ مؤسَّسة اختصاصها وجعل المشروعيَّة مقرونةً بالاختصاص القانوني، وهذا هو جوهر فكرة دولة المؤسَّسات».

وقد عَبَّرَ عن هذه الميزة المفكر الفرنسي مونتسكي قائلًا: إنَّ مبدأ الفصل بَيْنَ السُّلطات قد وُجد لِكَيْ توقفَ كُلُّ سُلطة من السُّلطات الأخرى عند حدِّها، وإنَّه إذا اجتمعتْ سُلطتان أو أكثر في يدٍ واحدة انعدمتِ الحُريَّة ولو كانت يد الشَّعب ذاته، كذلك فإنَّ مبدأ الفصل بَيْنَ السُّلطات يؤدي إلى ضمان تحقيق مبدأ المشروعيَّة وسيادة القانون.

ولأنَّ السُّلطات في دولة المؤسَّسات والقانون تنشأ وفقًا لقواعد قانونيَّة سابقة تحدِّد كيفيَّة إسناد السُّلطة إلى فردٍ من أفراد معيَّنين مثل (الوزير أو وكيل الوزارة أو مديري العموم أو المديرين ومَن يُوازي تلك الفئات في الدَّولة)، ثم تحدِّد القواعد القانونيَّة بعد ذلك اختصاصات كُلِّ فرد أو مجموعة من الأفراد أو الهيئات، فإنَّها أي تلك السُّلطة الممنوحة أو الصلاحيَّات التقديريَّة الَّتي أعطيتْ لتلك الفئة ليستْ هِبَة أو وكالة عامَّة يحقُّ من خلالها لتلك الشريحة الاعتداء على الحقوق المصانة عَبْرَ الاعتداء على القانون أو تدرج القواعد القانونيَّة بحجَّة (شمَّاعة) الصلاحيَّات التقديريَّة أو الإجراءات الداخليَّة لبعض الفئات أو الأفراد.

على ضوء ما سبَق وجَبَ على الأجهزة الرقابيَّة المعنيَّة ـ وفي وطننا الغالي سلطنة عُمان ترتكز تلك الرقابة على جهاز الرقابة الإداريَّة والماليَّة للدَّولة والأجهزة الأمنيَّة ـ التركيز بشكلٍ أكبر وأوسع على رقابة القوانين، رقابة الصلاحيَّات الممنوحة للأفراد والمؤسَّسات، الرقابة على ما يطلق عليه بالصلاحيَّات التقديريَّة أو الإجراءات الداخليَّة الَّتي ـ وللأسف الشَّديد ـ تُعَدُّ من أكثر الأسباب تجاوزًا للنظام الأساسي للدَّولة أو تدرج القواعد القانونيَّة.

وما يُؤسَف له أنَّ بعض تلك الشريحة تعمل على تفسير النصوص القانونيَّة رغم أنَّها ليست ذات اختصاص أو حتَّى تخصُّص أكاديمي، تَقُوم بالتوجيه وفْقَ أهواء ورغبات تسعى من خلالها لإرضاء المسؤول الأعلى بوعي وقصد أو من دُونِ وعي بأنَّ ذلك التوَجُّه أو الإجراء الداخلي قدِ اعتدى على تدرج القواعد القانونيَّة، وقد يكُونُ الشخص المُعتدي من غير ذي صفة أو صلاحيَّة. وقد تناولتُ هذا الموضوع في السابق بشكلٍ أوسع لأهميَّته مثل مقال: الموظفون وتفسير القوانين واللوائح عند مراجعة المؤسَّسات الحكوميَّة، ومقال الأوامر (غير المكتوبة) للمسؤول في القِطاع العام: إشكاليَّات ومعالجات.

وإنَّي من خلال هذا المقال أدعو مؤسَّساتنا الرقابيَّة إلى تكثيف الرقابة على تصرُّفات المسؤولين الَّذين يعملون على توجيه إداراتهم للعمل على إجراءات داخليَّة متعذرين بذلك بشمَّاعة التقديرات الممنوحة لهم، بالرّغم من أنَّ تلك الإجراءات ـ وللأسف الشَّديد ـ تُخالف بشكلٍ واضح وصريح قرارات وزاريَّة أو حتَّى النظام الأساسي للدَّولة، يضاف إلى ذلك أهميَّة الرقابة على ردود فعل الموظفين في الجهاز الإداري للدَّولة عند التعامل مع المواطنين، تحديدًا الردود الخاصَّة بالمعاملات الخدميَّة وكيفيَّة تفسيرهم للقوانين المنظِّمة لتلك المعاملات من ناحية التفسير، فما أكثر التفسيرات ووجهات النظر غير القانونيَّة والَّتي يفسِّر بها بعض الموظفين القرارات والسياسات الحكوميَّة عند الردِّ على المواطنين بخصوص إنجاز معاملاتهم، وأكثر تلك الشريحة من الموظفين غير متخصِّصين في القانون، بالإضافة إلى أنَّهم حتَّى لم يتلقوا أيَّ دَوْرة قانونيَّة بخصوص ذلك.

في النهاية هي رسالة أكررها دائمًا، أنَّ سلطنة عُمان دولة مؤسَّسات وقانون، ولا يُمكِن القَبول أبدًا أن تعملَ أيُّ مؤسَّسة أو يعملَ أيُّ موظف ومهما كانت صِفته خارج إطار تلك المؤسَّسيَّة ودولة القانون متَّخذًا من شمَّاعة التقديرات الشخصيَّة أو الإجراءات الداخليَّة أو حتَّى من صفته كمسؤول كأن يكُونُ وزيرًا أو وكيلًا الحقَّ في تجاوز المؤسَّسيَّة أو القانون متمثلًا في النظام الأساسي للدَّولة أو قانون أعلى، كما أنَّ الرقابة على تلك التوَجُّهات أو القرارات المؤثِّرة على حقوق الأفراد أو الرأي العام مسألة غاية الأهميَّة؛ لأنَّ خطورة تجاهلها يؤثِّر على ثقة المواطن والمُقِيم بمؤسَّسات الدَّولة، وهو ما لا يُمكِن قَبوله أبدًا.

ختامًا، تمكين الأجهزة الرقابيَّة وموظفي التدقيق الداخلي في المؤسَّسات الحكوميَّة ـ خصوصًا الخدميَّة منها ـ من التصدِّي عَبْرَ الضبط والإيقاف المؤقت على أقلّ تقدير لمختلف أشكال الإجراءات الداخليَّة والتقديرات الشخصيَّة للمسؤولين حتَّى يتمَّ مراجعة تلك الإجراءات والتقديرات الداخليَّة مُهمّ للغاية.

محمد بن سعيد الفطيسي

باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية

رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

[email protected]

MSHD999 @