تُعِيد خطَّة التنمية الخمسيَّة الحادية عشرة صياغة مفهوم التخطيط الاقتصادي؛ وذلك عَبْرَ تحويله إلى منظومة تنفيذ تعمل وفْقَ برامج مُحدَّدة ومؤشّرات أداء قابلة للقياس، حيثُ تتحول الأهداف الوطنيَّة إلى (190) برنامجًا استراتيجيًّا مرتبطة بمسارات زمنيَّة واضحة. ويعكس هذا التوَجُّه انتقالًا إلى إدارة الاقتصاد بمنطق النتائج، وربط كُلِّ جهة تنفيذيَّة بمخرجات يُمكِن قياسها ومتابعتها بشكلٍ مستمر، ويؤسِّس هذا النهج لبيئة عمل قائمة على وضوح المسؤوليَّات ودقَّة توزيع الأدوار بما يُعزِّز كفاءة القرار، ويرفع قدرة المؤسَّسات على التَّعامل مع المتغيِّرات، ويضع التَّنفيذ في مركز عمليَّة التنمية؛ باعتباره المسار الَّذي تتحدَّد من خلاله قِيمة الخطط، ويمنح منظومة التخطيط بُعدًا عمليًّا يربط التوَجُّهات الاستراتيجيَّة بحركة الاقتصاد الفعليَّة، ويؤكِّد أنَّ المرحلة القادمة تُقاس بقدرة الأجهزة التنفيذيَّة على تحويل هذه البرامج إلى نتائج ملموسة تنعكس على الأداء الاقتصادي وجودة الحياة بالنسبة للمواطن في كافَّة رُبوع الوطن.
وتكشف هيكلة الخطَّة بناء اقتصاد متكامل يَقُوم على ترابط القِطاعات ضِمن منظومة إنتاجيَّة واحدة، حيثُ تتوزع البرامج الاستراتيجيَّة على (95) برنامجًا في محور الاقتصاد والتنمية، و(52) برنامجًا لمحور الإنسان والمُجتمع، و(21) برنامجًا للبيئة المستدامة، و(22) برنامجًا للحوكمة والأداء المؤسَّسي، وهو توزيع يُعَبِّر عن توازن مقصود بَيْنَ النُّمو الاقتصادي والبناء الاجتماعي والاستدامة البيئيَّة وكفاءة الإدارة، وتتحرك في قلب هذا البناء ثلاثة قِطاعات رئيسيَّة تتمثل في الصناعات التحويليَّة والسياحة والاقتصاد الرَّقمي، مدعومة بقِطاعات ممكنة تشمل الطاقة المُتجدِّدة والنقل واللوجستيَّات والتعدين والأمن الغذائي، بما يخلق شبكة اقتصاديَّة مترابطة تُعزِّز من تدفُّقات القِيمة بَيْنَ الأنشطة المختلفة، وترفع من كفاءة استغلال الموارد وتوسيع قاعدة الإنتاج. ويُظهر هذا التكوين قدرة الاقتصاد على الانتقال من نموذج يعتمد على مورد رئيس إلى نموذج متعدِّد المحرِّكات، ويمنح السوق مرونة أعلى في مواجهة التقلُّبات العالميَّة، ويؤسِّس لبيئة إنتاجيَّة قادرة على تحقيق نُموٍّ مستدام قائم على التنوع والتكامل، ويُعزِّز من جاذبيَّة الاستثمار عَبْرَ وضوح الأولويَّات وتكامل الأدوار بَيْنَ القِطاعات المختلفة.
إنَّ إدماج البُعد المكاني في تصميم الخطَّة يمنح الاقتصاد العُماني بُعدًا جديدًا، يَقُوم على توزيع النشاط الإنتاجي وفْقَ الميزات النسبيَّة لكُلِّ محافظة، حيثُ تتحوَّل المحافظات إلى مراكز اقتصاديَّة متخصِّصة تُسهم في رفع التنافسيَّة وتعزيز كفاءة استغلال الموارد. ويَقُود هذا التوَجُّه إلى تحقيق تنمية متوازنة تقلِّل الفجوات بَيْنَ المناطق وتدعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ويُعزِّز من دَوْر المُجتمعات المحليَّة في صياغة أولويَّاتها بما يرفع من جودة القرارات التنمويَّة، ويزيد من ارتباطها بالواقع. ويعمل هذا المسار بالتوازي مع توسيع نطاق الشراكة مع القِطاع الخاص عَبْرَ توجيه الاستثمارات نَحْوَ مشروعات عالية الأثر قادرة على تحقيق قِيمة مضافة وخلق فرص عمل، ويرفع من كفاءة الإنفاق العام من خلال توجيهه نَحْوَ قِطاعات تمتلك إمكانات نُموٍّ حقيقيَّة، ويمنح الاقتصاد قدرة أكبر على جذب رؤوس الأموال عَبْرَ بيئة تنظيميَّة أكثر وضوحًا وتكاملًا، ويؤسِّس لمرحلة تتحول فيها الدَّولة إلى ممكّن رئيس للنَّشاط الاقتصادي، ويصبح القِطاع الخاصُّ شريكًا فاعلًا في قيادة النُّمو وتحقيق الاستدامة الاقتصاديَّة.
وتتَّجه الخطَّة إلى تحقيق توازن دقيق بَيْنَ دفع النُّمو الاقتصادي والحفاظ على استدامة الموارد من خلال (21) برنامجًا في محور البيئة المستدامة و(22) برنامجًا في محور الحوكمة، بما يُعزِّز التحوُّل نَحْوَ الاقتصاد الأخضر والرَّقمي ويرفع كفاءة إدارة الموارد الطبيعيَّة، ويضع الأمن الغذائي والمائي ضِمن أولويَّات المنظومة الاقتصاديَّة؛ باعتبارهما جزءًا من الأمن السيادي. ويقترن هذا المسار بتطوير بيئة تشريعيَّة ومؤسَّسيَّة تُعزِّز الشفافيَّة وترفع جودة الخدمات وتسرِّع وتيرة اتِّخاذ القرار. ويصل هذا التوَجُّه إلى ذروته في سُوق العمل الَّذي يُمثِّل المعيار الحقيقي لنجاح الخطَّة، حيثُ يرتبط الأثر الاقتصادي بقدرة البرامج على خلق وظائف نوعيَّة تستوعب مخرجات التعليم وتدعم الابتكار وترفع إنتاجيَّة الفرد، ويمنح هذا التكامل الاقتصاد قدرة على تحقيق نُموٍّ مستدام يرتبط مباشرة بتحسين جودة الحياة وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي على المدى الطويل.