الأربعاء 01 أبريل 2026 م - 13 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

أنواع المياه فـي القرآن الكريم «الماء الأجاج»

الأربعاء - 01 أبريل 2026 12:52 م


.. ومع ماء جديد من أنواع الماء التي ذكرها الله تبارك وتعالي في كتابه الكريم نستكمل مسيرتنا، ألا وهو “الماء الأجاج”، ومعنى “ماءً أجاجًا” كما جاء في كتاب (معاني القرآن للفراء 3/‏ 129):”هو الملح المر الشديد المرارة من الماء”، ويعرفه ابن قتيبة:(“‌الأجَاجُ” أشدُّ المياه ملوحةً، وقيل: هو الذي يُخالطُه مرارة. ويقال: ماءٌ مِلحٌ؛ ولا يقال: مالحٌ) (غريب القرآن، ص314).

وقد جاء هذا النوع في كتاب الله تعالى في ثلاثة مواضع، الموضع الأول قوله تعالى:(وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلبَحرَينِ هَذَا عَذب فُرَات وَهَذَا مِلحٌ أُجَاج وَجَعَلَ بَينَهُمَا بَرزَخا وَحِجرا مَّحجُورا) (الفرقان ـ 53)، والموضع الثاني قوله تعالى:(وَمَا يَستَوِي ٱلبَحرَانِ هَذَا عَذب فُرَات سَائِغ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلحٌ أُجَاجۖ وَمِن كُلّ تَأكُلُونَ لَحما طَرِيّا وَتَستَخرِجُونَ حِليَة تَلبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلفُلكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبتَغُواْ مِن فَضلِهِ وَلَعَلَّكُم تَشكُرُونَ) (فاطر ـ 12)، والموضع الثالث قوله تعالى:(أَفَرَءَيتُمُ ٱلمَاءَ ٱلَّذِي تَشرَبُونَ، ءَأَنتُم أَنزَلتُمُوهُ مِنَ ٱلمُزنِ أَم نَحنُ ٱلمُنزِلُونَ، لَو نَشَاءُ جَعَلنَهُ أُجَاجا فَلَولَا تَشكُرُونَ) (الواقعة 68 – 70)، يقول الإمام الطبري في تفسيره (19/‏ 283، ط: التربية والتراث): (قوله:”وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ” يقول: وهذا ملح مرّ، يعني بالعذب الفرات: مياه الأنهار والأمطار، وبالملح ‌الأجاج: مياه البحار. وإنما عنى بذلك أنه من نعمته على خلقه، وعظيم سلطانه، يخلط ماء البحر العذب بماء البحر الملح ‌الأجاج، ثم يمنع الملح من تغيير العذب عن عذوبته، وإفساده إياه بقضائه وقدرته، لئلا يضرّ إفساده إياه بركبان الملح منهما، فلا يجدوا ماء يشربونه عند حاجتهم إلى الماء)، ويقول ابن عطية:(قال مجاهد: البحر العذب: هو مياه الأنهار الواقعة في البحر، و”الأجاج” وقوعها فيه هو مرجها)، وقال ابن عباس: (خلى أحدهما على الآخر)، ونحو هذا من الأقوال التي تتداعى مع بعض ألفاظ الآية، والذي أقول به في الآية إن المقصد بها التنبيه على قدرة الله تعالى وإتقان خلقه للأشياء في أن بث في الأرض مياها عذبة كثيرة من أنهار وعيون وآبار، وجعلها خلال ‌الأجاج وجعل ‌الأجاج خلالها، فتلقى البحر قد اكتنفته المياه العذبة في ضفتيه، وتلقى الماء العذب في الجزائر ونحوها قد اكتنفه الماء ‌الأجاج فبثها هكذا في الأرض هو خلطها، وهو قوله مَرَجَ ومنه مريج أي مختلط مشتبك، ومنه مرجت عهودهم في الحديث المشهور، و”البحران” يريد بهما جميع الماء العذب وجميع الماء ‌الأجاج، كأنه قال مرج نوعي الماء والبرزخ والحجر هو ما بين الْبَحْرَيْنِ من الأرض واليبس، قاله الحسن، وقرأ الجمهور “هذا ملح” وقرأ طلحة بن مصرف “هذا ملح” بكسر اللام وفتح الميم، قال ابن جني أراد مالحًا، وحذف الألف كبرد وبرد، و”‌الأجاج” أبلغ ما يكون من الملوحة” (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 4/‏ 214)، ويقول صاحب (التفسير الكبير 26/‏ 227): (قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ ضَرْبُ الْمَثَلِ فِي حَقِّ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ أَوِ الْكَافِرِ وَالْمُؤْمِنِ، فَالْإِيمَانُ لَا يَشْتَبِهُ بِالْكُفْرِ فِي الحسن والنفع كما لا يشبه الْبَحْرَانِ الْعَذْبُ الْفُرَاتُ وَالْمِلْحُ ‌الْأُجَاجُ. لِبَيَانِ أَنَّ حَالَ الْكَافِرِ وَالْمُؤْمِنِ أَوِ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ دُونَ حَالِ الْبَحْرَيْنِ لِأَنَّ ‌الْأُجَاجَ يُشَارِكُ الْفُرَاتَ فِي خَيْرٍ وَنَفْعٍ إِذِ اللَّحْمُ الطَّرِيُّ يُوجَدُ فِيهِمَا وَالْحِلْيَةُ تُوجَدُ مِنْهُمَا وَالْفُلْكُ تَجْرِي فِيهِمَا، وَلَا نَفْعَ فِي الْكُفْرِ وَالْكَافِرِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ ذِكْرُ دَلِيلٍ آخَرَ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ وَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْبَحْرَيْنِ يَسْتَوِيَانِ فِي الصُّورَةِ وَيَخْتَلِفَانِ فِي الْمَاءِ، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَالْآخَرَ مِلْحٌ أُجَاجٌ، وَلَوْ كَانَ ذلك بإيجاب لما اختلف المتساويان ، ثُمَّ إِنَّهُمَا بَعْدَ اخْتِلَافِهِمَا يُوجَدُ مِنْهُمَا أُمُورٌ متشابهة، وَمَنْ يُوجِدُ فِي الْمُتَشَابِهَيْنِ اخْتِلَافًا ومن الْمُخْتَلِفَيْنِ اشْتِبَاهًا لَا يَكُونُ إِلَّا قَادِرًا مُخْتَارًا. وَقَوْلُهُ: وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ عَدَمَ اسْتِوَائِهِمَا دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَنُفُوذِ إِرَادَتِهِ).

د.محمود عدلي الشريف 

[email protected]