يسقط المطر، يعود بي إلى ما قبل الأربعين عاماً في مدرسة الروضة الإعدادية عندما كنت طفلاً أحبو إلى العلم في الصف الأول الإبتدائي، أُردّد ُمع الطلاب وراء الأستاذ: مطر مطر مطر، بالنعمة انهمر، بالعشب والثمر ، تهلّلي يا أرضُنا السمراء، واستقبلي هدية السماء، مطر مطر مطر، الزمن في تلك الفترة كان طفلاً بريئاً وجميلاً يلعب معنا ويشاكسنا، القرية طفلة تُزيّن خدّها بالسحب وتغسِلُ أقدامها بمياه الأفلاج مُلتحفةً بالأشجار والنخل ينطبقُ عليها قول البحتري:
إن السماءَ إذا لم تَبكِ مُقلتها لم تضحَك الأرضُ عن شيء من الخضرِ
والزهرُ لا تنجلي أحداقه أبداً
إلا إذا مرَضَت من كثرة المطرِ
أسمعُ طقطقة المطر، أرى قطراته وكأنها تستأذن أمها السحابة لتُلقي السلام على أبيها البحر، تغسل الأمطار الأشجار وتكون خضراءً جميلة وكأنها عروس في ليلة زفافها، ولأن العرب توأمهم الِشعر فقد عُرِفَ الصوت الإيقاعي الهادىء للمطرعندهم بالضوضاء الوردية لأنه يساعد على الاسترخاء، يا رب العالمين أجعل كل ضوضاء هذا العالم ضوضاءً وردية.
عندما يهطل المطر يفرح الجميع، البشر كبارهم وصغارهم، الريح تؤرجح زور النخل لتبدو كأنها أكفٌ مرفوعة حامدةً المولى عزّ وجّل على نعمائه، زقزقة الطيور كأنها تتبادل التهاني والفرح ، تختفي الخلافات بين الناس وتكون قلوبهم نقية وكأنها خُلقت للتو واللحظة ، بعد السلام تأتي جملة.. نعمتم بالرحمة ، ويكون الرد.. نعمةً بادة ، بمعنى نعِم بها الجميع، المطر جمالٌ لا يُفنى ولا يستحدث بل يتحوّل من جمال إلى جمال آخر، هو قلبٌ وقالب، ( أتعلمين أي حزن يبعثه المطر ، وكيف تنشج المزاريب إذا انهم ؟، وكيف يشعرُ الوحيد فيه بالضياع ؟ بلا إنتهاء ـ كالدم المراق ، كالجياع ) هذا ما عما قاله الشاعر بدر شاكر السياب في رائعته أنشودة المطر ، منكَ المعذرة شاعري الجميل، أُخالفك الرأي قليلاً ، المطر يبعثُ الفرح مثلما يبعث الحزن .
المطر يهطل في غزة، يروي قبور الشهداء لتنبت عليها الزهور والورود، يمسحُ دموع الأطفال اليتامى، يُخفّفُّ من آلام الأمهات الثكالى، المطر هناك آلة إسنادٍ للمُعذّبين، قطراته تقول للجندي الصهيوني (أنظر إليّ، إنني أزرع الحياة والبهجة وأنتَ تزرع أنت الموت والدمار، رغم كل مآسيهم وآلامهم الجميع هنا يحبني وأنت مكروه من البشرية جمعاء حتى الموتى في قبورهم يكرهونك)، الجندي لا يسمعه لأن أذنيه لا تسمعان إلا صوت طلقات الرصاص.
قيل عن الموسيقار العالمي بيتهوفن أنه بدأ فقدان السمع وهو في منتصف العشرينيات من العمر ليصبح أصم تماما وهو في منتصف الأربعين، وعن الأسباب تم الإشارة إلى تسمم بالرصاص، البعض أرجح إلى أمراض مناعية (متلازمة كوجان)، فيما قال آخرون أن السبب هو أمراض الكبد المزمنة، تعدّدت الأسباب والصممُ واحدٌ، في رأيي الشخصي ليس السبب أي مما ذُكر، السبب أنه ظلّ يستمع لطقطقة المطر فقط ليُبدِعَ موسيقاه الخالدة، منكم المعذرة أعزائي القراء لن أطيل في كتابة المقال لأنني سأذهب للاستمتاع بالمطر.
ناصر المنجي
كاتب عماني