تجربة «التعليم عن بُعد» ليست وليدة العهد، بل سبقتها تجارب عديدة، بداية من جائحة كورونا والأنواء المناخية التي تعرضت لها سلطنة عمان خلال السنوات الماضية، وحتى نهاية «منخفض المسرات» الأسبوع الماضي.
وهي تجربة يفترض أنها شهدت نضوجًا وتطورًّا إيجابيًا من حيث المحتوى والمضمون، وسهولة الدخول والتسجيل، وآلية التعامل مع المنصة.. وغيرها من الأسس التي كان من المفترض أنها بدت اليوم أكثر سهولة ومرونة عن سابقتها، بدءًا من الصفوف الأولى وحتى التعليم الجامعي.
ورغم مدة التجربة واتساع مجالاتها ونطاقها، وما وصلت إليه برامج «التعليم عن بُعد» من تقدم وتطور في المفاهيم والأساسيات لتكون أكثر تفاعلًا وانسجامًا مع رغبات الطالب واحتياجاته، إلا أن الواقع - ومن خلال ما يُثار ويتم تداوله - ظل على وضعه مع بعض التطوير، لتبرز نفس الإشكاليات السابقة التي يعاني منها الطلبة، خاصة طلبة التعليم العام، من حيث صعوبة التسجيل والدخول إلى المنصة، وما يصاحبها من تحديات مثل: ضعف الشبكات في بعض المواقع، وغياب الخلفية لدى بعض المعلمين في التعامل مع المنصة، وفقدان لغة التواصل بين الطالب والمعلم، وعدم وجود ضبطية في إدارة الفصل الدراسي، وضعف التفاعل الإيجابي المنظم عبر ما يطرح من دروس أو استفسارات.
هذه النقاط.. وغيرها تُعدُّ من الأمور الأساسية التي يجب العمل عليها خلال المرحلة القادمة لضمان تحقيق الأهداف المرجوة من نظام «التعليم عن بُعد»، والوصول إلى الغايات المنشودة من وجود نظام تعليمي إلكتروني يراعي مختلف الجوانب الحديثة في هذا المجال، ويُسهم في تنمية قدرات الطلبة والارتقاء بمهاراتهم في التعامل مع أنظمته وبرامجه، وهو أحد الأسس والمرتكزات التي ينبغي البناء عليها مستقبلًا. إن التوجه العام لدى الكثير من المؤسسات التعليمية الدولية يتمثل في إبقاء خيار «التعليم عن بُعد» أولوية في أجندة وبرامج الدولة والمؤسسة التعليمية، أيًّا كانت طبيعتها، بحيث لا يكون مجرد خيار، بل مشروعًا إلزاميًا لا يرتبط بظروف أو مسببات، بل يشكل جزءًا من البرنامج الدراسي، خاصة في ظل ما يشهده العالم من تطورات ومتغيرات تستلزم أن يكون «التعليم عن بُعد» منهجًا دراسيًا معتمدًا ومنظّمًا وفق أُطر واضحة، تحكمها إجراءات ملزمة على المدرسة والأسرة والطالب والمجتمع. ومن هنا يمكن إيجاد جيل من الطلبة قادر على التكيف مع هذه البرامج في المستقبل، وما قد يترتب عليه من انعكاسات إيجابية تسهم في تخفيف الضغط على المعلم والطالب والمدرسة. ويبقى خيار تطوير هذه المنظومة مرهونًا بمدى قدرة المؤسسة التعليمية الانتقال بهذا النظام إلى مستويات أكثر حضورًا وفاعلية في المشهد الدراسي، عبر انتهاج سياسات تراعي في المقام الأول تطوير الموارد البشرية، والتحديث المستمر في المنصة، وتعزيز روح المبادرة لدى الطلبة، وتنمية وعي المجتمع بأهميته، وإيجاد البدائل والحلول المختلفة.. وغيرها من الجوانب التي يمكن أن تنقل هذا النظام ليكون مشروعًا وطنيًا قابلًا للتطبيق في أي وقت وبكل يُسر.
وفي المحصلة، فإن نجاح «التعليم عن بُعد» لا يُقاس بمدى توفر المنصات فحسب، بل بقدرة جميع الأطراف على التفاعل الإيجابي معها وتحويلها إلى بيئة تعليمية حقيقية منتجة.
فالتحدي اليوم لم يُعد في إقرار هذا النمط من التعليم، بل في إدارته بكفاءة، وتجويده باستمرار، ليكون داعمًا للتعليم التقليدي وشريكًا فاعلًا له، لا بديلًا مؤقتًا يفرضه الظرف، بل خيارًا استراتيجيًا يعكس جاهزية المنظومة التعليمية لمتطلبات الحاضر واستحقاقات المستقبل.
مصطفى المعمري
كاتب عماني