تُعَدُّ السياسة الخارجيَّة لسلطنة عُمان من أكثر الأمثلة التاريخيَّة المعاصِرة على تطبيقات المثاليَّة الإيجابيَّة على رقعة الشطرنج الشرق أوسطيَّة، والَّتي يقصد بها: القدرة على ممارسة السياسة الأخلاقيَّة والتأثير في الآخرين دُونَ استخدام لأدوات القوَّة الصُّلبة. وعند جوزيف .س.ناي مؤسِّس هذا المفهوم، يُقصد بها: قدرة الدَّولة على خلقِ وضعٍ يفرض على الدول الأخرى أن تحدِّدَ تفضيلاتها ومصالحها بشكلٍ يتَّفق مع هذا الإطار الَّذي تمَّ وضعه أو بمعنى آخر أن تَقُومَ هي بوضع أولويَّات الأجندة الداخليَّة لغيرها من الدول.
ويلاحظ أنَّه وبالرّغم من صعوبة المحافظة على طيفٍ ثابت ومستقرٍّ من القِيَم والأُسُس الأخلاقيَّة العابرة للحدود الوطنيَّة في عصر الفوضى، وسيطرة الماديَّة السياسيَّة، وزيادة تناقضات بيئة المصالح السياسيَّة والجيوسياسيَّة في البيئة الدوليَّة، في عالم لا شكَّ أنَّ التَّمسُّك فيه بهذا النَّوع من موجِّهات السياسة الخارجيَّة الأخلاقيَّة يزيد من التحدِّيات والضغوط السياسيَّة لأيِّ دَولة في بيئة تزداد فيها الفوضى والصراعات القائمة على تناقض واختلاف المصالح الجيوسياسيَّة، والتدخلات الذرائعيَّة وتقلُّب العداوات والصداقات.
الأمر الَّذي جعل الكثير من التصرُّفات وسلوكيَّات الدول تمتزج بأشكالٍ كثيرة ومتعدِّدة من الموجِّهات السياسيَّة المتناقضة أحيانًا وغير المستقرَّة أحيانًا أخرى، ما كوَّن مزيجًا مختلطًا من التناقضات السياسيَّة والعلاقات الدوليَّة ذات الطابع المضطرب وغير المستقر، والَّتي ميَّزتْ هياكل وبناء السياسة العالميَّة في القرن الـ(21).
وبالرّغم ممَّا سبَق فإنَّ السياسة الخارجيَّة العُمانيَّة تمكَّنتْ إلى حدٍّ بعيد من صناعة تلك المقاربة والمواءمة الصَّعبة بَيْنَ المثاليَّات والتوازنات السياسيَّة بَيْنَ الصَّداقات والعداوات والماديَّات السياسيَّة الَّتي تغلب فيها المصالح السياسيَّة الوطنيَّة عن غيرها من المصالح العابرة للحدود الوطنيَّة.
لذا يلاحظ محاولة بعض الدول النَّأي بالنَّفْس أو الابتعاد وتغيير السِّمات والسياسات الموجّهة لسياستها الخارجيَّة نَحْوَ مبادئ أو قِيَم أو سلوكيَّات وتعاملات ذات طابع أخلاقي بعيدًا عن ممارسات الهيمنة وصراع المصالح الجيوسياسيَّة والتحالفات الإقليميَّة والدوليَّة الفضفاضة الَّتي يعجُّ بها المشهد السياسي الراهن، كما هو حال السياسة الخارجيَّة لسلطنة عُمان قد ينظر إليه من هذا القبيل. أي أنَّها فعل سلبي التأثير في سياسات وتوجُّهات بعض الأطراف الإقليميَّة أو الدوليَّة الأخرى، أو أنَّها سياسة أنانيَّة لا تراعي المصالح الدوليَّة.
إلَّا أنَّ ذلك لم يحُلْ دُونَ نجاح التوجُّهات السياسيَّة لسلطنة عُمان إلى حدٍّ بعيد حتَّى الآن على أقلّ تقدير، واستمرارها في المحافظة على تلك المعادلة الصَّعبة والقدرة على صناعة التوازنات بَيْنَ القوَّتين النَّاعمة والصُّلبة، والمواءمة التاريخيَّة لأكثر من خمسة عقود بَيْنَ مصالحها الوطنيَّة من جهة، والاختلافات الطبيعيَّة لمصالح وتوجُّهات العديد من الدول الإقليميَّة والدوليَّة فيما يُطلق عليه بتطبيقات النظرة الواقعيَّة في السياسة الدوليَّة من جهة أخرى، خصوصًا أنَّها تقع في بقعة جغرافيَّة مضطربة «الشرق الأوسط»، وبَيْنَ قوى إقليميَّة ذات توجُّهات ومصالح غير متجانسة بشكلٍ كبير جدًّا. أقلّ ما يُقال عنها أي هذه البيئة السياسيَّة بأنَّها محفِّزة للاندفاع نَحْوَ استخدام القوَّة الصُّلبة والصراعات العابرة للحدود الوطنيَّة في التأثير على العلاقات والسياسات الدوليَّة.
إلَّا أنَّه وفي النهاية لا بُدَّ من وعي مسألة مهمَّة في هذا السياق، ألا وهي أنَّ الأفكار والمعتقدات السياسيَّة ذات التوجُّهات المثاليَّة والقِيَم الأخلاقيَّة، وإن حرصتْ بعض الدول على تبنِّيها والمحافظة عليها؛ كونها تُمثِّل الجانب الأخلاقي والشق الإنساني في حياتها، لا يَجِبُ أن تصلَ بها إلى مرحلة المثاليَّة السلبيَّة من جهة.
أمَّا من جهة أخرى فإنَّه يَجِبُ أن تأخذَ في الحسبان مراعاة مصالح الدول الأخرى في صناعة تلك المعادلة الصعبة ما دامت قَدِ اختارتْ أن تتبنَّى هذا الجانب من السياسات، بحيثُ من الضرورة أن تقف بمقربة ومسافة واحدة يتمُّ فيها مراعاة مصالح مختلف أطراف المنظومة الدوليَّة عند حساب المصالح الماديَّة والمثاليَّات الأخلاقيَّة.
بحيثُ يَجِبُ أن «ينطوي التصرف الأخلاقي على وعي مصالح الآخرين والتحلِّي بالحساسيَّة إزاءها ـ غير أنَّ نكران الذَّات ليس إلزاميًّا. فثمَّة ظروف قد يشعر فيها الأفراد بأنَّهم مدفعون إلى التضحية بالذَّات، غير أنَّ مثل هذا السُّلوك يبقى بنظر أكثر الشرائع الأخلاقيَّة «نافلًا» أي شيئًا يحسن فعله. ولكن الامتناع عنه ليس خطأ، وسيبقى الشيء الَّذي يصحُّ عمله في الغالب، ورُبَّما في العادة منطويًا على عدم السَّعي وراء المصالح الذاتيَّة إلى الحدود القصوى، ولكنَّه لن ينطوي إلَّا في أكثر الظروف استثنائيَّة على تجاهل تلك المصالح كليًّا ما لم تكُنْ مخترعة بوضوح لهذا الغرض؛ فالبقاء، أو إعلاء المصالح الوطنيَّة العُليا هو الشَّرط اللازم للسياسة الخارجيَّة العُمانيَّة، ولكنَّه يَجِبُ أن لا يكُونَ كُلَّ شيء فيها.
محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
MSHD999 @