الأحد 29 مارس 2026 م - 10 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

التحول فـي الطاقة .. إعادة هيكلة تدريجية وذكية

التحول فـي الطاقة .. إعادة هيكلة تدريجية وذكية
الأحد - 29 مارس 2026 05:20 ص

هيثم العايدي


يحمل تسارع سلطنة عُمان في تَبنِّي التحوُّل نَحْوَ الطاقة النظيفة على إحداث تحوُّل نوعي في مسار التنمية يحمل أبعادًا اقتصاديَّة وبيئيَّة وتنمويَّة عميقة، تُواكب التحوُّلات العالميَّة، مع التأسيس لاقتصاد تنافسي مستدام، وذلك في إطار من الواقعيَّة الَّتي تقرُّ بأنَّ التوسُّع في الطاقة المُتجدِّدة لا يعني الاستغناء بالكامل عن الطاقة من المصادر التقليديَّة الأحفوريَّة، حيثُ إنّ التحوُّل لا يَقُوم على الإحلال الكامل الفَوري، بل على إعادة هيكلة الاقتصاد والطاقة بشكلٍ تدريجي وذكي.

وفي الاستطلاع الَّذي نشرته (الوطن) في عدد الخميس الماضي والَّذي أشار فيه مختصون إلى أنَّ سلطنة عُمان تمضي بخُطًى متسارعة لترسيخ مكانتها ضِمن الدول الرائدة في تَبنِّي مصادر الطاقة النظيفة تم فيه التأكيد على أنَّ هذا التسارع يُعزِّز من موقع سلطنة عُمان كدولة رائدة إقليميًّا في هذا المجال، خصوصًا في ظلِّ التزامها بتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2050 حيثُ تبرز أهميَّة ذلك في عدَّة جوانب أوَّلها تعزيز الاقتصاد الوطني عَبْرَ تقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيس للدخل، وفتح آفاقٍ لقِطاعات اقتصاديَّة جديدة قائمة على الابتكار والتقنيَّات الحديثة، فضلًا عن رفع القدرة التنافسيَّة، خصوصًا وأنَّ الدول الَّتي تستثمر مبكرًا في الاقتصاد الأخضر تكتسب ميزة تنافسيَّة في جذب الاستثمارات الأجنبيَّة مع توجُّه الشركات العالميَّة نَحْوَ سلاسل إمداد منخفضة الكربون.

كذلك هناك بُعد الاستدامة المتمثل في تقليل الانبعاثات الضارَّة والإسهام في الحدِّ من آثار التغيُّر المناخي، ما ينعكس إيجابًا على الصحَّة العامَّة والبيئة، علاوةً على تنويع مصادر الطاقة بما يَضْمن استدامة الإمدادات وتقليل المخاطر المرتبطة بتقلُّبات أسواق الطاقة التقليديَّة.

وتَبنِّي حزمة واسعة من المشاريع في مجالات الطاقة الشمسيَّة وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر يُمثِّل ركيزة أساسيَّة لتحقيق التحوُّل المنشود، مع فرص لتصدير الطاقة النظيفة، خصوصًا الهيدروجين الأخضر، ما يُعزِّز الإيرادات غير النفطيَّة ويدعم الاقتصاد الوطني، وكذلك تحفيز القِطاع الخاص بالمشاريع النوعيَّة في الطاقة المُتجدِّدة والَّتي تفتح المجال أمام الشركات وأصحاب الأعمال للاستثمار والمشاركة في سلاسل القِيمة، ممَّا يُعزِّز دَوْر القِطاع الخاص كشريك رئيس في التنمية.

لكن من المُهمِّ أيضًا الإقرار بأنَّه لا يُمكِن الاستغناء الكامل عن الطاقة من المصادر الأحفوريَّة.. حيثُ إنَّه رغم التقدم الكبير في مشاريع الطاقة المُتجدِّدة لا تزال الطاقة الأحفوريَّة جزءًا أساسًا من منظومة الطاقة عالميًّا، خصوصًا وأنَّ العديد من الصناعات الثقيلة (كالبتروكيماويَّات، والصُّلب، والنقل البحري والجوِّي) لا تزال تعتمد بشكلٍ كبير على الوقود الأحفوري، علاوةً على ما استثمره العالم لعقودٍ في بنية أساسيَّة ضخمة للنفط والغاز، واستبدالها بالكامل يتطلب وقتًا وتكلفة هائلة.

كذلك فإنَّه رغم انخفاض تكلفة الطاقة المُتجدِّدة، إلَّا أنَّ تقنيَّات التخزين (مثل البطاريَّات) لا تزال مكلفة ومحدودة مقارنةً بحجم الطلب العالمي والتحوُّل يتطلب استثمارات ضخمة في البنية الأساسيَّة والشبكات، والتقنيَّات الحديثة.

ومن هنا فإنَّ التحوُّل في الطاقة لا يُعَدُّ إلغاء للنفط، بل إعادة توازن ذكيَّة بَيْنَ المصادر التقليديَّة والنظيفة والتعامل بواقعيَّة مع التحدِّيات عَبْرَ انتقال تدريجي يَضْمن الاستقرار الاقتصادي والطاقة معًا.

 هيثم العايدي

كاتب صحفي مصري

[email protected]