الأحد 29 مارس 2026 م - 10 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

عُمان.. وطنٌ يحتضن الغريب ويصنع المستقبل

عُمان.. وطنٌ يحتضن الغريب ويصنع المستقبل
الأحد - 29 مارس 2026 05:21 ص

د. عبد الحكيم حسن مصطفى محمد

80


حين يُذكر اسم سلطنة عُمان لا يتَّجه الذِّهن فقط إلى جَمال المكان، بل إلى جَمال الإنسان أيضًا. فهذه البلاد لا تختصرها الجغرافيا، ولا تلخِّصها الصوَر السياحيَّة، بل تعرف حقًّا من خلال ما تزرعه في النفْس من طمأنينة، وما تمنحه للإنسان من شعور صادق بالقَبول والانتماء.

منذ أن تطأ قدمُك أرض عُمان، تلمس في أهلِها خُلقًا رفيعًا وبشاشة صادقةً لا تُشبه المجاملة العابرة. هنا لا يشعر الغريب بأنَّه غريب، بل يجد نفْسه محاطًا بقدر كبير من الاحترام والود، وكأنَّ الثقافة العُمانيَّة قد حسمتْ أمرها منذ زمن طويل: الإنسان يكرم لكونه إنسانًا، والضَّيف مكانته محفوظة، والتعامل الطيِّب ليس ترفًا اجتماعيًّا، بل جزء أصيل من الهُوِيَّة.

وقد عشتُ هذه الحقيقة بنفْسي. قَبل انتقالي للعمل في جامعة الشرقيَّة بولاية إبراء، سمعتُ كثيرًا من التصوُّرات المسبقة الَّتي حاولت أن ترسمَ لعُمان صورة لا تُشبهها. لكنَّ التجربة المباشرة كانت أصدَق من كُلِّ ما قيل. وبعد أشْهُر قليلة من الاستقرار والعمل في السَّلطنة، أدركتُ أنَّني أمام مُجتمع متوازن، متسامح، هادئ، وواثق من نفْسه، مُجتمع لا يرفع الشعارات بقدر ما يجسِّد القِيَم في سُلوكه اليومي.

وفي تجربتي المهنيَّة داخل جامعة الشرقيَّة، رأيتُ جانبًا آخر من ملامح هذا البلد، يتمثل في الاستقرار المؤسَّسي والرؤية الواضحة والنُّمو المتدرِّج الواثق. فمنذ التحاقي بالجامعة عام 2016، لمستُ كيف يُمكِن للإدارة الواعية، في ظل مناخ وطني مستقرٍّ، أن تصنعَ تحوُّلًا حقيقيًّا في فترة وجيزة. وما شهدته الجامعة من توسُّع وتطوُّر خلال السنوات الماضية ليس مجرَّد نُموٍّ عددي، بل انعكاس واضح لبيئة وطنيَّة داعمة للتعليم، ومحفِّزة للاستثمار في الإنسان، وقادرة على استقطاب الكفاءات وتمكينها.

إنَّ ما يميِّز عُمان ليس فقط ما حقَّقته على مستوى التنمية، بل الكيفيَّة الَّتي تُحقق بها ذلك. فهي تمضي في طريق التحديث دُونَ أن تتنكرَ لقِيَمها، وتتَّجه إلى المستقبل دُونَ أن تفقدَ توازنها الثقافي والاجتماعي. وفي هذا تكمن خصوصيَّتها الحقيقيَّة: دولة تنظر إلى المستقبل بِعَيْنٍ، وتحافظ على أصالتها بالعين الأخرى.

وقد جاءت رؤية «عُمان 2040» لِتؤكِّدَ هذا المعنى؛ بوصفها إطارًا وطنيًّا طموحًا يستند إلى تنويع الاقتصاد، وبناء مُجتمع المعرفة، وتعزيز مكانة الإنسان باعتباره محور التنمية وغايتها. وحين تقرأ ملامح هذه الرؤية على الورق ثمَّ تراها منعكسة في الواقع، تُدرِك أنَّ عُمان لا تتحرك بعشوائيَّة، بل تَسير وفْقَ فَهْمٍ عميق لمتطلبات الحاضر وتحدِّيات المستقبل.

وفي ظلِّ القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ تُواصل السَّلطنة مَسيرتها بثبات واتِّزان، مستندةً إلى إرثٍ راسخ من الحكمة، وإلى نهجٍ يؤمن بأنَّ التنمية الحقيقيَّة تبدأ من الإنسان، وتثمر بالإنسان، وتستمرُّ من أجلِ الإنسان.

إنَّ الكتابة عن عُمان ليست مجاملة، بل وفاء لتجربة صادقة. فهي بلد يمنح القادم إليه أكثر من فرصة عمل، يمنحه شعورًا نادرًا بالأمان النفْسي والاحترام الإنساني. ولهذا، فإنَّ كثيرين ممَّن عاشوا في عُمان لا يتحدثون عنها كبلدِ إقامةٍ فحسب، بل كمساحةِ دفءٍ وطمأنينة وكرامة.

تحيَّة تقدير إلى عُمان، قيادةً وشعبًا، وإلى هذا النموذج الهادئ في البناء، الَّذي يثبتُ أنَّ الأصالة ليست نقيضًا للتقدُّم، وأنَّ التسامح ليس شعارًا، بل أُسلوب حياة.

د. عبد الحكيم حسن مصطفى محمد

أكاديمي