الأحد 29 مارس 2026 م - 10 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

أصداف : جيل غير «بشري»

أصداف : جيل غير «بشري»
الأحد - 29 مارس 2026 05:15 ص

وليد الزبيدي


نقفُ اليومَ أمامَ أوَّلِ جيلٍ غيرِ بشريٍّ يدخلُ بقوَّة عالمَ البشرِ على نطاقٍ واسع، ويُمكِن القولُ إنَّ العقلَ البشريَّ يقفُ عاجزًا أمامَ زلزالٍ اسمُه الروبوتاتُ وعوالمُ الذكاءِ الاصطناعي. لقد حذَّرَ العلماءُ والخبراءُ منذ الإطلالاتِ الأولى لبوادرِ الذكاءِ الاصطناعي من دخولِ البشريَّة في نفقٍ غامضٍ يقودُ إلى شبكاتٍ من الأنفاقِ متعدِّدةِ النهاياتِ ومتشعِّبةِ المَدَيات.

وجادلَ الكثيرون في هذا الصَّدد، وتسلَّحَ آخرون بمقولةِ إنَّ مَن يصنعُ الآلة، مهما كانت تقنيَّاتها، فإنَّه يتحكَّمُ بها في نهاية المطاف. وقد أقنعت هذه الفكرةُ كثيرين، ابتداءً من عصرِ الصناعة، حين تمكَّنَ العقلُ البشريُّ من الانتقالِ السلسِ من البدائيَّة إلى استخدامِ الآلة، وفي الوقتِ ذاته فرضَ سيطرتَه المطلقةَ عليها. فأصبحَ الضيفُ الجديدُ مساعدًا للبشر، مطيعًا لهم إلى أبعدِ مدى.

غيرَ أنَّ أخطرَ ما تحدَّثَ عنه كثيرون هو أنَّ الصناعةَ جلبت بعضَ الأخطارِ إلى حياةِ البشر. وخيرُ مثالٍ على ذلك صناعةُ الأسلحة، ومنها الكيميائيَّة والجرثوميَّة، بل وحتَّى المدافعُ والطائرات. وقد نتجَ عن استخدامِها ملايينُ القتلى، كما حصلَ في الحربَيْنِ العالميَّتينِ الأولى والثانية في بداية القرنِ العشرين، وما تلاهما من حروبٍ كثيرةٍ في مختلفِ بقاعِ الأرض. وبالعودةِ إلى آلافِ المشاهدِ من تلك الحروب، يشاهدُ الناسُ كيف تمَّ تدميرُ مُدنٍ وأحياءٍ كاملةٍ باستخدامِ المدافعِ والطائرات، مُحدِثةً خرابًا هائلًا في المُدنِ والدول.

كما حصلَ تلوُّثٌ بيئيٌّ شديدٌ بسببِ المنتجاتِ الصناعيَّة المختلفةِ الَّتي أثمرتْها الثورةُ الصناعيَّة. ولم يكُنْ ذلك الخطرُ خارجًا عن إرادةِ البشر، بل جاء نتيجةَ البناءِ الصناعيِّ المتطوِّرِ في قِطاعاته المختلفة، وبفعلِ الهيمنةِ الإمبرياليَّة وما تجنيه من أرباحٍ طائلة. وقد شجَّع ذلك العقولَ على المُضيِّ قُدمًا نَحْوَ المزيد من تلك المنتجات، الَّتي امتدَّ تخريبُها البيئيُّ إلى عوالمِ البحارِ، بل وحتَّى الفضاء.

وبعدَ أن دخلَ إلى حياةِ البشر جيلٌ من خارجِ عالمِهم، وأخذَ حيِّزًا كبيرًا، واتَّسعتْ دوائرُه بصورةٍ لم يَعُدْ من الممكنِ متابعةُ أخبارِ توسُّعه العموديِّ والأُفقي، ازدادتِ المخاوفُ المعلنةُ وغيرُ المعلنة. إذ غالبًا ما نسمعُ عن تحذيراتٍ من قفزاتٍ قد يشهدُها الذكاءُ الاصطناعي، بما يشكِّلُ تهديدًا حقيقيًّا للأمنِ المُجتمعي.

وفي حالِ تحقَّقت مخاوفُ البعض من تحكُّمِ هذا الذكاءِ بالأسلحةِ المختلفة، إنتاجًا وتطويرًا، بل وحتَّى إطلاقًا، فإنَّ الأمر سيخرجُ من دائرةِ التحكُّمِ البشريِّ إلى فضاءٍ مفتوحٍ من جانب، ومغلقٍ من جوانبَ أخرى. وبهذا فإنَّ الخبراءَ والمختصِّين ما زالوا يبحثون في احتمالِ الانزلاق، من دونِ أن يتمكَّنوا من تحديدِ حجمِه ومنعطفاتِه.

غيرَ أنَّ الجيِّدَ في الأمر أنَّ العالمَ لم ينشغلْ بما هو مُبهرٌ في هذا المجال، دونَ الالتفاتِ إلى خطورةِ جوانبَ عديدةٍ قد يتفاجأ بها في مرحلةٍ قد لا تكُونُ بعيدة.

كائنٌ يزاحمُ البشر، بعدَ أن صنعوه وابتكروه، ووضعوه في مراتبَ متقدِّمة، وقد يفرضُ نفْسَه في أماكنَ دُونَ رغبةِ الَّذين قدَّموه للحياة.

وليد الزبيدي

كاتب عراقي

[email protected]